أحكام الجنائز
الجزء ١ · صفحة ٥٢ج: النبي عليه أفضل الصلاة والسلام كان نهى عن زيارة القبور أوّلا، لمّا كان الناس حديثِي عهدٍ بالجاهلية .. لم يتخلصوا جميعا من علائقها، ويُخشى عليهم أن يَتبعوا النهج الجاهلي في زيارة القبور، أو أن تُورِثهم هذه الزيارة ارتباطا بالجاهلية في معتقداتها وأفكارها فلذلك نهاهم أوّل الأمر، ولكن بعدما استقرت العقيدة ووضَحَت الصورة أمرَهم بزيارتها مع نهيهم أن يقولوا هُجرا .. أي أن يقولوا قولا باطلا .. قال: ( كنت نهيتُكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، ولا تقولوا هجرا )، وهذه الزيارة هي للاتعاظ والاعتبار، لا لأجل أن تكون قُرْبة من القرُبات، أو أنّ الميت يمكن أن يَنفع هذا الحي، أما إذا كانت الزيارة من أجل الاستعانة بالميت وطلب دفعِه شيئا من الضرّاء، أو تحقيقه شيئا من المنافع فهذه الزيارة تكون في منتهى البُعد عن حكمة التشريع، وفي منتهى البعد عن أصل الشريعة الإسلامية وعن العقيدة الإسلامية، فإنّ الله تعالى وحده هو الذي يدفع الضرّاء، وهو الذي يُيسّر المطالب، ويستجيب الدعاء، يقول - سبحانه وتعالى - : ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا للهِ شُرَكَاء خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ [ سورة الرعد، الآية: 16 ] .. فماذا عسى أن يُجدي هذا الميت ؟! إذا كان الإنسان وهو حي يملأ ثيابه لا يمكن أن يحقق لنفسه-فضلا عن غيره-منفعة، ولا أن يدرأ عنها مَضرة إلا عندما يأذن الله - سبحانه وتعالى - بذلك، فما بالنا بهذا الميت الذي أصبح جمادا لا حراك له ؟! أنّى له أن يدفع ضرّاء أو أن يحقق سرّاء ؟! فما للناس والتعلق بالقبور