فتاوى المعاملات
الجزء ٣ · صفحة ٣٦٠وقد أجاد تحريم هذا المقام ابن قيم الجوزية حيث قال: "فوازن بين قول القائل: آمنا بالله واليوم الآخر، وأشهد أن محمداً رسول الله، إنشاء للإيمان وإخباراً به، وهو غير مبطن لحقيقة هذه الكلمة ولا قاصد له ولا مطمئن به، وإنما قاله متوسلاً به إلى أمنه وحقن دمه أو نيل غرض دنيوي، وبين قول المرابي: بعتك هذه السلعة بمائة، وليس لواحد منهما غرض فيها بوجه من الوجوه ولا مبطناً لحقيقة هذه اللفظة ولا قاصداً له ولا مطمئناً به، وإنما تكلم به متوسلاً إلى الربا، وكذلك قول المحلل: تزوجت هذه المرأة أو قبلت هذا النكاح، وهو غير مبطن لحقيقة النكاح ولا قاصداً له ولا مريداً أن تكون زوجته بوجه ولا هي مريدة لذلك، هل تجد ينهما فرقاً في الحقيقة أو العرف؟ فكيف يسمى أحدهما مخادعاً دون الآخر؟ مع أن قوله بعت واشتريت واقترضت وأنكحت وتزوجت غير قاصد به انتقال الملك الذي وضعت له هذه الصيغة ولا ينوي النكاح الذي جعلت له هذه الكلمة، بل قصده ما ينافي مقصود العقد أو أمر خارج عن أحكام العقد، وهو عود المرأة إلى زوجها المطلق، وعود السلعة إلى البائع بأكثر من ذلك الثمن، بمباشرته لهذه الكلمات التي جعلت لها حقائق، ومقاصد مظهراً لإرادة حقائقها ومقاصدها ومبطناً لخلافه، فالأول نفاق في أصل الدين وهذا نفاق في فروعه، يوضح ذلك ما ثبت عن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثاً أيحلها له رجل فقال: من يخادع الله يخدعه، وصح عن أنس وعن ابن عباس أنهما سئلا عن العينة فقالا: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله فسميا ذلك خداعاً، كما سمى عثمان وابن عمر نكاح المحلل نكاح دلسة، وقال أيوب السختياني في أهل الحيل: يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان فلو أتوا الأمر عياناً كان أهون عليّ، وقال شريك بن عبد الله القاضي في كتاب (الحيل): هو كتاب المخادعة".
دلائل أن تعامل الناس ببيع الخيار غير خارج عن الربا: