فتاوى سماحة الشيخ أحمد الخليلي أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

فتاوى المعاملات

الجزء ٣ · صفحة ٣٩٧

الضرر فيما بينهم، وإنما ضبط الله سبحانه وتعالى في أحكامه التي أنزلها في كتابه وبينها رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ البيع بضوابط أخلاقية، هذه الضوابط كلها تنم عن الرحمة، وتدعوا إلى البر والإحسان بين الناس، وتحدُ من جشع النفوس وحرصها على المال، فالبيع في الإسلام مظبوطٌ بهذه الضوابط، ولذلك نُهي عن كل بيع يترتب عليه فساد، لأن الله تبارك وتعالى جعل الإسلام للعباد ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ .

ونحن عندما نرجع إلى الأوضاع البشرية القديمة والحديثة، والأنظمة التي تتعلق بهذا الأمر المهم الحيوي في حياتهم، نجد أن ما جاء به العباد ظلمٌ في ظلم، فالعباد لم يشرعوا لأنفسهم القانون الأخلاقي في معاملاتهم فيما بينهم، بل نجد الاستغلال البالغ والوحشية التي تتجاوز الحدود، وهذا مما هو معروفٌ في جميع الحضارات التي تعاقبت على المحيط الإنساني منذ عهود قديمة، فجميع الأمم الموصوفة بالحضارات منذ أقدم العصور، كانت معروفة بالمعاملات الربوية، وعدم التورع عن الربا، واستغلال حاجة المحتاج. وكذلك عندما ننظر إلى الأوضاع المالية البشرية في العصر الحاضر فإننا نجد أن الأنظمة البشرية لم تأت بخير، فهي تستغل حاجة الإنسان استغلالاً دنيئاً خطيراً، فها هي هذه الأمم المتحضرة الآن التي تنادي باسم الحضارة الإنسانية وبحقوق الإنسان وترفع عقيرتها لتزعم بأنها راعية لهذه الحقوق نجدها منغمسة انغماساً غريباً في هذا الأمر، والمسلمون مع الأسف الشديد بسبب عدم استقلالهم في المناهج الاقتصادية هم تبعٌ لغيرهم، متأثرون بهذه المناهج تأثراً أتى على كل دقيقةٍ وجليلةٍ من معاملاتهم، فهم مناسقون وراء غيرهم انسياقاً، وقد اعتبروا المعاملات الربوية مظهراً من مظاهر الحضارة. حتى أن الذي ينادي بحرمة الربا ومنعه وأنه حربٌ بين العباد وبين ربهم سبحانه وتعالى يعدونه متخلفاً، وأنه ينزع منزعاً رجعياً في فكره، وعندما ننظر إلى الوضع في المجتمع الشيوعي

١٬١١٥ / ١٬٤٠٦