فتاوى العبادات
الجزء ١ · صفحة ٣٨١وأما آخذها فإنها ـ مع دفعها لخصاصته وسدها لعوزه، وتمكنه بها من مقاومة لأواء الحياة ومواجهة عسر مطالبها تطفئ في نفسه سعير الحقد ولهيب الحسد، اللذين تؤججهما مشاهدته للتباين الكبير بين وضعه ووضع الغني المستأثر بالثروات، الذي يتقلب في أعطاف النعيم، غير مبال بصيحات أولي المسغبة التي تصعدها حاجتهم الملحة إلى ضرورات الحياة، إلا أنه عندما تردم هذه الهوة السحيقة بالزكاة التي تجسد المشاركة المالية الإجتماعية بين طبقتي الأغنياء والفقراء يتلاشى ما في نفوس الفقراء من حقد وكراهية لطبقة الأغنياء، فلا تلبث قلوبهم أن تفيض بالمودة لهم، وألسنتهم أن تلهج بالثناء عليهم والدعاء لهم، وباجتماع هاتين الطبقتين على كلمة سواء يجتمع الشمل وتتآلف القلوب، وتتوحد المشاعر والأحاسيس، وينعم المجتمع بأسره بالهدوء والاستقرار، والراحة والسكينة والرحمة والمودة، ويتجسد فيه معنى قول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: (( ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ))، وقوله (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً.
ولئن كان الإنفاق في جميع وجوه الخير وسبل الإحسان مطلباً من مطالب الإسلام، حضت عليه آيات جمة من الكتاب العزيز، وتظافرت على العناية به أحاديث الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، فإن الزكاة ـ وهي على رأس ضروب الإنفاق المأمور به ـ ركن من أركان هذا الدين، التي يقوم عليها صرحه ويشمخ بها بنيانه، كما نص على ذلك حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: (( بني الإسلام على خمس ))، ويؤكده اقترانها في الآي القرآني بأهم ركن عملي من أركانه وهو الصلاة.