فتاوى العبادات
الجزء ١ · صفحة ٣٩٥وربما كان في صنيع عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ عندما حبس الفيء على المسلمين لينتفعوا بريعه من غير أن يقتسموا أصله ـ ما يستأنس به لصحة هذا النظر وسلامة هذا الاتجاه، وكذلك صنيعه ـ رضوان الله عليه ـ عندما رأى الإسلام اشتد عوده وعظمت منته، وبسقت دوحته، ولم يكن بحاجة إلى استعطاف المؤلفة قلوبهم لاستدرار نفعهم واتقاء ضرهم، وقف عنهم سهمهم من الزكاة، وليس ذلك إلا لما أبصره من حكمة التشريع، وأدركه من أبعاد المصلحة، فإن مشروعية إشراكهم في الزكاة ما كانت إلا لاجتلاب نفعهم ودفع ضررهم، وبما أن المسلمين أصبحوا في غنى عن ذلك لما آتاهم الله تعالى من قوة، ووهبهم من تمكين، رأى ذلك الخليفة الراشد البصير أن بقية مصارف الزكاة هي أولى بالتوفير، فوقف عنهم هذا السهم، وكان ذلك على مرآى ومسمع من سادة الأمة المهاجرين والأنصار ـ رضي الله عنهم ـ، ولم يكن منهم نكير، فكان ذلك إجماعاً سكوتياً.
ولئن ساغ اجتهاد ولي الأمر في ذلك عندما يرى مصلحة الفقراء والمساكين متعينة في استثمار نصيبهم من الزكاة، بعد سداد خلتهم وإشباع مسغبتهم، فإنه لأحرى أن يجوز في نصيب المصرف السابع وهو سبيل الله، لأنه من أصله موكول إليه ومردود إلى نظره، وقد نص الفقهاء على أن له أن يشتري به ما يراه مصلحة للمسلمين لأجل إعلاء كلمتهم وحماية بيضتهم، ففي الإيضاح ما نصه: ( وكذلك جائز له ـ أي للإمام ـ أن بشتري من الصدقة العدة والسلاح والخيل للجهاد )، لأنه قال تعالى: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ ﴾ .
بل نص على أن عامل الإمام في الزكاة يجتهد وسعه فيما يعود بالمصلحة على أصنافها بعد ما يكون في يده إلى أن يدفعها إلى إمامه، ففي الإيضاح أيضاً: ـ (( وكذلك العامل هو الناظر فيما استعمل عليه، وفي جميع ما يصلح له البيع، وفي شراء ما يصلح له الشراء )).
ونحوه في النيل وشرحه.