فتاوى النكاح
الجزء ٢ · صفحة ٩١وباعتبار هذين الشرطين ترجيح قول من قال: إنَّ من كان تحته حرة أو كان قادرًا عليها بالوسائل المادية والمعنوية ليس له أن ينكح أمة بحال، فإن "ال" في المحصنات من الآية داخل على جنس غير محصورة أفراده، وذلك يقتضي صدق الحكم ـ سلبًا وإيجابًا ـ على أقل ما يصدق عليه الجنس من أفراد مدلولاته، ألا ترى أن من حلف أن لا يتزوج النساء، ولا يشتري العبيد يحنث بتزوج واحدة من النساء، وشراء واحد من العبيد، ومن حلف أن يتزوج النساء ويشتري العبيد يبرُّ ـ كذلك ـ بتزوج واحدة وشراء واحد، وهكذا من أمكنه نكاح محصنة واحدة صدق عليه أنه وجد طولاً إلى نكاح المحصنات، وامتنع في حقه نكاح الإماء، هذا والخلاف في هذه المسألة يستتبع كذلك الخلاف في مسألتين لاحقتين بها: -
? الأولى: هل له أن ينكح أكثر من أمة واحدة، قيل: ليس له ذلك؛ لأنها أبيحت للضرورة والضرورة تندفع بنكاح واحدة، وهو قول ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ كما تقدم، وقال به مسروق جماعة، وذهب إليه الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق، وهو ظاهر كلام الإمام ضياء الدين عبد العزيز الثميني ـ رضي الله عنه ـ في "النيل"، حيث قال ما نصه: »وللحرِّ نكاح أمة بعدم طول وخوف عنت، وبهما جازت واحدة«، وقال القطب ـ رضوان الله تعالى عليه ـ في شرحه: »وإن لم تكفه واحدة، ولم تمنعه من العنت تزوج حتى يخرج من العنت أو تتم أربعة« اهـ كلامهما، وقول القطب مبنيٌّ على ما سبق عنه أنه لا يرى الحرة طولاً إذا لم تمنعه من العنت، وكان به حاجة إلى المزيد، ولم يجد طولاً لغير أمة، وبمثل قوله ـ في جواز التعدد إلى أربعة ـ قال مالك وأبو حنيفة وابن شهاب والحارث العكلي، وقال حماد بن أبي سليمان: »ليس له أن ينكح من الإماء أكثر من اثنتين، ومن المعلوم أن نكاح الإماء إنما يسوغ في حال الاضطرار لا في الاختيار، وما كان كذلك؛ فلا يجوز أكثر مما تندفع به ضرورة المضطر.