فتوى في التدخين
الجزء ١ · صفحة ١٩هذا وبجانب ما ذكرناه فإن التدخين يؤدي إلى كثير من المضار التي لم نذكرها، منها أن المدخن يصبح أسير هذه العادة السيئة فهي تسخره وتقوده إلى كثير من المحارم والمكروهات، لعجزه عن الفكاك عنها، وقد جسد ذلك أحد الشعراء المدخنين في شطر بيت إذ قال في السيجارة:
تخذتها أمة فصرت لها عبدا
لذلك يحرص المدخن أن يوفر من أجل التدخين ولو كان ذلك بتقتيره على عياله في الإنفاق وحرمانهم من بعض ضرورات الحياة وحاجاتها، وقد يدفعه الحال إلى أن يستجدي غير مبال بإذلال نفسه وإراقة ماء وجهه، ولربما بلغ به الأمر إلى الاحتيال والسرقة وكل ذلك مما يأباه الإسلام على أتباعه.
لهذا كله أفتى أولو البصائر من جميع المذاهب الإسلامية منذ بداية ظهور هذه العادة السيئة في بلاد الإسلام بأن التدخين حرام، وما كان من مخالفة لهم من بعض أهل الفتيا فإنه راجع إلى عدم تصور حقيقة التدخين ومضاره الكثيرة، ولئن كان الاختلاف فيه شاع عند معظم أصحاب المذاهب الإسلامية في العصور السابقة فإن علماء مذهبنا لم يختلفوا قط في هذه المسألة بل اتفق مشارقتهم ومغاربتهم من أول ظهور هذه الآفة في بلاد الإسلام على حرمة التدخين، بل وحرمة استعمال التبغ بأي طريقة كان سواء كان سعوطاً في الأنف أو مضغا بالفم أو رشفا لدخانه، وقد كان من توفيق الله لهم أن تنبهوا لأخطاره ومضاره قبل أن يكتشفها الأطباء وغيرهم، فهذا الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى يقول في جوهر النظام الذي ألفه قبل قرن من الزمن:
والبنج والأفيون ثم التتن=محرمات شربها مستهجن
لأنها معروفة بالسكر=فالسكر في الوصف زوال الفكر
وهو تغير على العقل طرا=فعد ما أحدث ذاك مسكرا
فقول من خالفنا في المذهب=في التتن المعروف لم يصوب
قال بأنه مرقد ولا=يسكر قلت أذهب التعقلا
والغرض المشروع من ذا الباب=حفظ عقولنا عن الذهاب
لو لم يصح سكره لكانا=محرما لضره عيانا
فمائة وبعدها عشرونا=من علل في ذاك يذكرونا