آراء الشيخ ابن أبي نبهان في قاموس الشريعة لـ؟؟
الجزء ١ · صفحة ١٣والمثال في ذلك فيما أنزل الله تعالى حكمه في فعل فيه الأشد، وفيه الأخف، فحرم خفيفه وأهمل ذكر أشُدِّه قوله تعالى في الوالدين: ((فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا)) [الإسراء:23]، وضربهما مؤلماً بالعصا، وعقهما موجعاً بالحصى، أو شتمهما بالكلام هو أشد من ذلك، فهو من الحرام بالإجماع في دين الإسلام، ولو لم يأت ذكر عن أحد من العلماء في تحريم ذلك فيهما، وإن كان قد ذكر العلماء تحريمه وأجمعوا على ذلك، فليست الحجة في تحريمه من أجل اتفاق أقوالهم فيه؛ لأنه حرام بالإجماع أي بالدينونة قبل أن يذكره أحد منهم بتحريمه، فصحَّ أن المراد بالإجماع في بعض الأحكام هو ما كان بالدينونة فيه، قال ذلك بتحريمه أحد من العلماء أو لم يقل، مما تقوم به حجة العقل على وجوبه فعلاً وتركاً.
وفي بعض الأحكام هو ما أجمعوا على وجوبه فعلاً وتركاً، باتفاق أقوالهم مما لهم أن يوجبوه كذلك في حجة العقول، لا فيما لا يجوز لهم إيجابه ديناً. فإذا أجمعوا على إيجاب شيء بالدينونة فيما ليس لهم أن يدينوا به صار ضلالاً، وكل هذا فالمراد في الأحكام التي لم يكن جاء إيجابها في الكتاب ولا في السنة ديناً؛ لأن خلاف ذلك معروف أنه حرام بالإجماع، وعلى هذه الأصول تدور جميع أحكام الشريعة فاعرفه.
وكذلك إن صح اتفاقهم على الكراهية في شيء لا يوجب حرمته في كل شيء، فقد أجمع العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، ومِخْلبٍ من الطير، ومع ذلك أجازوا في تأويله القول بالرأي.
فقال بعضهم: كل ذلك حلال وإنما كان نهي النبي صلى الله عليه وسلم نهيَ أدب؛ لأنها تأكل في غالب أمرها المحرمات. وقال بعضهم: إذا كانت هذه الحجة فهو نهي تكريه، ولا يبلغ به إلى حرمة لأنها تخلط بالطاهرات، فلم تكن جلاَّلة لا تأكل إلا المحرمات فتحرم.