معجم القواعد الفقهية الإباضية
الجزء ١ · صفحة ١٦٨قال: وقد وجدت عن محمد بن محبوب في الدابة المعروفة بالعقر أنها إذا انطلقت من وثاق ربها فما أتلفت أو عقرت فلا ضمان على ربها إذا كان قد أوثقها بما يوثق به مثلها وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "جراح العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار" وإنما يكون جرح العجماء جباراً إذا كانت منفلتة ليس لها قائد، ولا سائق ولا عليها راكب. فإذا كان معها واحد من هؤلاء الثلاثة فهو ضامن لأن الجناية حينئذٍ ليست للعجماء وإنما هي جناية صاحبها الذي أوطأها الناس"(1).
(قلتُ) وأعدل الأقول في جناية العجماء أن يقال إنها من الأحكام التي تتغير بتغير الأحوال، والأعراف والأزمان، ففي الأماكن التي يكثر فيها الزرع وتكثر الجنان، وتَقِلُّ الفلاة، وتقل فيها الماشية إلى درجة يصعب على أصحاب الزروع حفظ زروعهم ليلاً ونهاراً، بينما يسهل على أصحاب الماشية القليلة حفظ مواشيهم ليلاً ونهاراً، ففي مثل هذه الأحوال يتعين على أصحاب المواشي الحفظ وعليهم الضمان بالتَّعَدِّي والتفريط.
وفي الأماكن التي تكثر فيها الفلاة ويقل الزرع وتكثر المواشي كما في الصحارى وأماكن البدو والرعي ففي تلك الأماكن يؤخذ بالقاعدة ويكون على أصحاب الزرع حفظ زروعهم نهاراً وعلى أهل المواشي حفظ مواشيهم ليلاً.
وبذلك قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - في ناقة البراء بن عازب عندما أهلكت حائطاً بدخولها عليه فسأل النبي عن عادة الناس في ذلك فقالوا يا رسول الله العادة هي أن على أهل المواشي حفظها في الليل، وعلى أهل الحوائط، والزروع حفظ حوائطهم وزروعهم في النهار. فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعرف، والعادة وأقرهم على ذلك وهو قضاء داود عليه الصلاة والسلام في الزرع الذي نفشت فيه غنم القوم، والنَّفْشُ هو الخروج ليلاً. فكان في هذا الحديث دلالة على أصلين عظيمين من أصول الشريعة.
أما الأصل الأول فهو اعتبار العرف وحجتيه.
(1) -…كتاب الجامع 2/443 و444.