معجم القواعد الفقهية الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٣٠١ونشأ عن الخلاف اختلاف آخر في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرّين ظاهراً، وباطناً بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهؤلاء من أهل الوعيد، وذهبت الخوارج إلى تخليدهم في النار وقالت المرجئة لا يضرّ مع الإيمان ذنب، وقالت المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين، وقالت الإباضية إنهم كفار نعمة، وهو ما فسّره كثير من علماء السلف بأنه كفر دون كفر وهم أهل عدل في ذلك ولا يجحدُ ذلك إلا أهل شنآن. فأهل المعاصي كفار نعمة بمعنى أنهم يعذبون بمقدار كفرهم في جهنم ولا يخلدون فيها.
وقد جاء عن أكثر من واحد من علماء السلف أنهم قالوا كفر دون كفر، وشرك دون شرك، ونفاق دون نفاق، وأساس الاستدلال عندنا هو قول البخاري المعاصي من أمر الجاهلية لا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنك امرؤ فيك جاهلية"(1).
فانظر إلى هذا الفقه الذي أوتيه البخاري والذي استند فيه على قصة أبي ذر عندما عير بلالاً بسواد أمه، وأبو ذرٍ من كبار الصحابة فلا يعقل مطلقاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد بهذه الكلمة نفي الإيمان عنه وغمسه في مستنقع الجاهلية وقطع صلته بالإسلام ولكنها المعصية التي هي من خواص الجاهلية وكلما ازدادت هذه المعاصي كلما ازدادت نسبة الجاهلية فيه، ولكن لا ينتقل إلى الشرك إلا بالجحود وإنكار ما تواتر من أحكام الإسلام(2).
فلا نُكَفِّرُ أحداً من أهل القبلة أقرّ بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدّى فرائض الإسلام برأي أو معصية إلا إذا أقرّ بكلمة الكفر صراحة دون تأويل أو أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسّره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية أو عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر.
(1) -…رواه البخاري في كتاب الأَيمان، باب (22): المعاصي من أمر الجاهلية لا يكفر أحد بارتكابها.
(2) -…انظر كتاب البدعة وأثرها في اختلاف الأمة للعبد الفقير، ص 336.