معجم القواعد الفقهية الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٤٤٧من هذا النص يتضح أن ابن بركة رحمه الله يخالف جمهور أصحابه الذين عاملوا السكران معاملة الصحيح فأوقعوا طلاقه، دون باقي تصرفاته من بيع وشراء.
والنظر يقتضي ترجيح مذهب الأصحاب لما يلي:
أولاً: إن الصحابة الكرام عاملوا السكران معاملة الصاحي زجراً له وعقوبة لأنه هو الذي تعدّى على عقله بمباشرة المزيل له ومن أقدم على عمل كان عليه تحمل نتائجه.
وهذا منهم عقوبة تأديبية على غرار ما فعلوا فيمن طلق امرأته ثلاثاً فأوقعه عمر عليه عقوبة له ووافقه الصحابة فكان إجماعاً.
ثانياً: إن قول ابن بركة إن السكران ليس له قصد.
جوابه أن السكران وإن لم يكن له قصد حقيقة فله قصد حكماً لأنه بإقدامه على شرب الخمر قاصداً السكر صار قصده في الإسكار قصداً لكل فعلٍ ينتج عنه.
ثالثاً: إن قياس ابن بركة رحمه الله السكران على المجنون هو قياس مع الفارق لأن الجنون من العوارض السماوية ولا دخل للإنسان فيه بينما السكر فهو من العوارض المكتسبة.
والجنون مَظِنَّةُ التخفيف من الله والقاعدة في ذلك: "إذا أخذ ما وهب أسقط ما أوجب".
بينما السكر مَظِنَّةُ التشديد والزجر لذلك عاقبوه، فقد قال علي بن أبي طالب أرى أنه إذا شرب سَكِرَ، وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فاجلدوه حدَّ الفِرْيَةِ فجلدوه ثمانين جلدة(1).
وأما إيقاعهم الطلاق عليه، وعدم تصحيح بيعه وشرائه، هذا منهم عقوبة له فإنهم صححوا ما يضره دون ما ينفعه زجراً وعقوبة.
بينما المجنون بالعكس من ذلك فقد منعوا كل التصرفات الضارة به رحمة وشفقة عليه وكذلك المعتوه فقد صححوا ما ينفعه، وأبطلوا ما يضره من التصرفات على عكس تصرفات السكران.
وأما تمييزه بين سكران مميز وسكران غير مميز ففيه نظرٌ أيضاً لأن المميز ليس سكراناً على الحقيقة.
(1) -…ونسبه أحمد بن عبد الله الكندي في المصنف لعمر بن الخطاب 40/127.