معجم القواعد الفقهية الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٤٥بعد هذا النص يتضح العمل بالاستصحاب عند قيِّم الإباضية وإمامهم الكبير محمد بن بركة عليه رحمة الله.
والاستصحاب هو أحد المصادر التبعية التي عوّل عليها جماهير علماء الأصول وفرعوا عليه الفروع الكثيرة.
6 – الاستحسان: ومن المصادر التي عوّل عليها فقهاء الإباضية هو الاستحسان: وهو عبارة عن ترك القياس والعمل ]بما هو أوفق بأصول الناس[. وقد عوّل عليه أكثر الأئمة سوى الشافعي الذي ركّز هجومه على الاستحسان واعتبره هوساً وتلذذاً، وعند التحقيق نجد أن ما أنكره الشافعي من الاستحسان لا يقول به أبو حنيفة.
وما قال به أبو حنيفة لا ينكره الشافعي ولذلك قيل لا يوجد استحسان مختلف فيه؛ يعني: ما ينكره الشافعي لا يقول به غيره، وأن ما يقول به غيره من أنواعه لا ينكره الشافعي.
وقد وجدت الشافعي قد عمل بالاستحسان الذي قال به أبو حنيفة وقد نصّ عليه في كتاب الأم، قال رحمه الله: "وكل من يحبس نفسه بالترهيب تركنا قتله اتباعاً لأبي بكر يرحمه الله".
ثم قال: "وإنما قلنا هذا اتباعاً لا قياساً"(1).
فالشافعي يرحمه الله ترك القياس للأثر وهذا هو عين الاستحسان عند الحنفية.
وقال أيضاً: "وإذا أصاب الرجل حماماً من حمامها فعليه شاة اتباعاً لعمر وعثمان وابن عباس وابن عمر"(2). والقياس هنا يقتضي أن يكون الجزاء من الحمام والدجاج وليس من الشياه، وهذا عين الاستحسان وفيه مسائل كثيرة من هذا القبيل.
وقد أخذ به فقهاء الإباضية وفرعوا عليه الكثير من الأحكام وقد وجدت فرعاً للاستحسان عند شرح قاعدة: "القرعة عند التشاح"، وذكره ابن بركة رحمه الله قال: "وإن وجد المنبوذَ رجلان تشاجرا فيه لم يخرج من أيديهما إذا قاما بما يجب من أمره فإذا كان دار كل واحد منهما متساوية في البعد من دار الآخر فإني أستحسن أن أقرع بينهما فمن جرت له القرعة دفعته إليه"(3).
(1) -…كتاب الأم 7/90.
(2) -…التمهيد للأسنوي، ص 501.
(3) -…كتاب الجامع 2/447.