الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ محمد بن صالح حمدي

الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ

الجزء ١ · صفحة ١٢٨

ففي مرحلة ما من الدخل لا نجد باب الإنفاق الاجتماعي، وإنما نجد الاستهلاك والاستثمار، وهما في المراحل الأولى من الدخل شديد الارتباط، فالاستثمار إنما يكون عادة بهدف تأمين الاستهلاك.

وبمعنى أن الفرد يستهلك هو ومن يعول عليه أن يكسب الأموال أو يستثمرها، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "كفى بالمرء إثما أن يضيِّع من يقوت"(1)، ويقول الإمام محمد حسن الشيباني في كتاب الكسب: "إن الكسب بقدر ما لا بد منه فريضة"(2) ثم بعد تأمين مستوى الكفاية ما زاد من الدخل يصبح وعاء للإنفاق الاجتماعي، ولمزيد من الاستثمارات. ومع ذلك فهناك مجال متسع أمام الفرد ليختار منه الموقف التوازني الذي يراه، إذ أن مستوى الكفاية لا يمثل نقطة على المنحنى، وإنما يمثل قوسا من المنحنى، فهو مدى له حد أدنى وله حد أعلى، وللفرد أن يتحرك داخل المدى، ويقف عند أي نقطة عليه. كذلك، فإن الإنفاق الاجتماعي هو الآخر يمثل مدى متسعا له حد أدنى، يتمثل في الفروض المعينة، وله حد أعلى يتمثل في المحافظة على حد الكفاية من الاستهلاك واستثمار ما يؤمن هذا المستوى، ومن حق الفرد أن يتحرك داخل هذا المدى ويقف عند أي نقطة فيه. والحال كذلك بالنسبة الاستثمار، وفي داخل الإطار لكل مجال أن يؤثر في المجالين ويتأثر بهما.

هذه هي أهم العوامل المحددة للإنفاق الاستهلاكي في المجتمع الإسلامي، وفي ضوء ذلك نستطيع أن ندلي بإجابة عن تساؤل مطروح على ساحة الفكر الاقتصادي الإسلامي: هل الميل للاستهلاك في المجتمع الإسلامي أعلى أم أقل منه في مجتمع غير إسلامي؟ على افتراض تساوي حجم الدخل القومي بينهما.

هناك رأيان في الموضوع،(3) ونحن نميل إلى الرأي القائل أن الميل للاستهلاك في المجتمع الإسلامي يكون أكبر، معتمدا في ذلك على ما يُحدثه نظام الزكاة والتحويلات المالية من

(1) - صحيح ابن حبان - كتاب الرضاع، باب النفقة - ذكر الزجر عن أن يضيع المرء من تلزمه نفقته من عياله

حديث: 4300

(2) : محمد بن الحسن الشيباني: الاكتساب في الرزق المستطاب، ص: 44.

(3) : د. مختار متولي: التوازن العام والسياسات الاقتصادية الكلية في مجتمع إسلامي، ص: 3 وما بعدها.

١٢٧ / ١٨٧