الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ محمد بن صالح حمدي

الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ

الجزء ١ · صفحة ١٣

3 - يؤكد التعريف على الجمع بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة معا دون تغليب جانب على آخر من خلال عبارة: "الإنسان الفرد والمجموع"

4 - التأكيد على المصدر الأساس في التصور والتطبيق وهو قواعد وأحكام الشريعة.

هل من حاجة وضرورة إلى الاقتصاد الإسلامي؟

يرى بعض الاقتصاديين أنه ليس هناك حاجة إلى وجود علم للاقتصاد الإسلامي، بل إن الأمر ليصل إلى القول بعدم إمكانية ذلك، فلدينا علم الاقتصاد قائم منذ قرون فلا داعي للبحث وإنفاق الجهد في بديل عنه.

إن وجوه الحاجة إلى علم الاقتصاد متعددة، منها ما يرجع إلى اعتبارات دينية، ومنها ما يرجع إلى اعتبارات علمية، ومنها ما يرجع إلى اعتبارات عملية واقعية.(1)

أ ـ الاعتبارات الدينية:

انطلاقا من أن الدين الإسلامي عقيدة وشريعة ومنهج حياة يشمل كل مناحيها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، وقد سبق لنا أن الاقتصاد هو ذلك الفرع من العلوم الاجتماعية الذي يدرس الظاهرة الاقتصادية في شتى أوجهها: الإنتاج، الاستهلاك، الاستثمار. لذا فالإسلام يصبغ هذا السلوك بصبغته الإيمانية، ويجعله يتحرك في اتجاه هدف الإنسان من هذه الحياة وغايته القصوى، فلا يمكن لنا أن نعزل هذا النشاط ونبعده عن التشريع السماوي. لذا يغدو علم الاقتصاد بهذا المنظور للهدي الإسلامي هو فرض شرعي شأنه شأن بقية الفرائض الشرعية، فقد قسم الفقهاء هذه الفروض الشرعية إلى نوعين: فروض أعيان وفروض كفاية، والمقصود بفروض الأعيان تلك الواجبات الواقعة على عاتق كل فرد بعينه مثل الصلاة والصوم والحج، والمقصود بفروض الكفاية هي تلك الأمور والواجبات التي يتعين وجودها على مستوى الجماعة بدون تعيين فرد بذاته للقيام بها، بحيث إذا قام بها البعض كان ذلك نيابة عن المجتمع وأجزى ذلك عن البقية من أفراد المجتمع، وإذا تخلى عنها الجميع أثمت الأمة بأكملها.

ومن الأمثلة البارزة لفروض الكفاية كل مهنة أو صنعة أو حرفة لا يستغنى عنها المجتمع مثل الزراعة والتجارة والصناعة، وما يتفرع عنها من أنواع وفروع، وكذا كل علم يحتاجه المجتمع لصلاح الدين وصلاح الدنيا وسياستها مثل علوم الطب والحساب وعلوم الزراعة والصيدلة. إذ لا يستقيم أمر حياة الناس وتوفير معاشهم إلا بقيام هذه الصنائع بعلومها وفنونها.

وتأصيلا للمسألة نذكر ببعض من أقوال العلماء في ذلك.

يقول الإمام أبو حامد الغزالي: "أما فروض الكفاية فهو علم لايستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب، فهو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات، وهذه العلوم التي لو خلا بلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد"(2)

ويقول ابن عابدين: "وأما فروض الكفاية من العلم فهو كل علم لا يستغني عنه في قوام أمور الدنيا كالطب، والحساب، واللغة، وأصول الصناعات، كالفلاحة، والحياكة والسياسة"(3)

ويشدّد الغزالي على ضرورة توفير العلوم بقدر توفر الِحرَف والعمال، حيث لكل عمل جيد علم بأسراره، "ويجب على التاجر تَعلُّم النقد ـ العلم بمكونات النقود ـ لا ليستقصي لنفسه لكن لئلا يسلِّم إلى مسلم زيفا، وهو لا يدري، فيكون آثما بتقصيره في تعلم ذلك العلم، فكل علم؛ به يتم نصح المسلمين يجب تحصيله"(4)، ويصل به المقام في ذروته القصوى في اهتمامه بوجود العلوم المطلوبة في المجتمعات الإسلامية فيقول: "لو كان عند غير المسلمين علم أو اختراع ليس عند المسلمين أحسن منه وأفضل، فإن المسلمين آثمون محاسبون على تقصيرهم"(5).

إن العلماء لم يقولوا ذلك من فراغ وإنما استنادا إلى العديد من النصوص الشرعية التي تُحتّم توفر العلوم والمعارف. وانطلاقا من كون الإسلام عقيدة وشريعة ونظاما يغطي كل جوانب الحياة والعلاقات بهديه وتوجيهاته. ونحن مطالبون لنكون مسلمين بحق بالقيام بثلاثة

(1) : شوقي دنيا: المدخل الحديث، مرجع سابق، ص: 7.

(2) : الغزالي: إحياء علوم الدين، ج: 1، ص: 15.

(3) : ابن عابدين: الحاشية، ج:1، ص: 42.

(4) : الغزالي: مرجع سابق.

(5) : نفسه: ج:2، ص: 67.

١٣ / ١٨٧