الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ
الجزء ١ · صفحة ١٤أمور، أولاً: أن نؤمن بوجود هدي إسلامي في المجال الاقتصادي، وثانيا: أن نشتق ونؤسس من ذلك الإيمان معرفة علمية سليمة، وثالثا: أن نطبق ما توصلنا إليه من علم في حياتنا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُومِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمُ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة:122)، ومعنى ذلك أنه لا مناص من استنفار جماعة من المسلمين ليتفقهوا في الدين من الناحية الاقتصادية، ثم يحيلوا ذلك إلى عمل تعيشه الجماعة كلها.
والقرآن الكريم يصوّر لنا صورة حية لتطبيق هذه الخطوات الثلاثة، وما أنتجته من آثار في أرض الواقع، إذ لا يكفي التصور والشعور الإيماني إذا لم يترجم إلى معرفة علمية مطبقة مجسدة في الميدان. فهذا سيدنا يوسف عليه السلام أدرك من خلال تأويله رؤيا الملك؛ حقيقة الهدي الإلهي في مواجهة أزمة غذائية ماحقة تحل بأرض مصر وما حولها، فوضع لها خطة محكمة متصلة الحلقات تُعبّئ كل الطاقات المادية والبشرية، ثم شرع في تنفيذها بإشراف من سياسة مالية اقتصادية تتناسب مع كل مرحلة، إلى أن وصل في النهاية إلى بر الأمان، فأنقذ الأمة من كارثة كادت تحل بها لولا تلك الخطة ذات خمس عشرة سنة، فادخر في السنين السِّمان للسنين العجاف. قال الله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأْبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَاكُلُونَ ثُمَّ يَاتِي مِنم بَعْدِ ذَالِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَاكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَاتِي مِنم بَعْدِ ذَالِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (يوسف:47 - 49).
فقد آمن سيدنا يوسف بالهدي الإلهي في حل الأزمة، ولم يتوقف عند هذا الشعور بل أعد لذلك معرفة علمية بوضع خطة لتسيير هذه الأزمة، ثم قام بالإشراف عليها وتطبيقها إذ قال عارضا خبرته وعلمه على الملك الذي نال إعجابه وتقديره: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الاَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف:55). فقد أدرك أن هذه المعرفة العلمية لا جدوى منها إذا لم تطبق وفق آليات محددة، فآنس من نفسه القدرة على تنفيذها، فتقدم للملك بذلك الطلب.
ومثال آخر من القرآن القرآن الكريم لبيان أهمية ترجمة الهدي القرآني إلى معرفة اقتصادية وترجمتها إلى واقع علمي، يقول الله تعالى في شأن أهمية المال: {وَلاَ تُوتُوا السُّفَهَآءَ اَمْوَالَكُمُ التِي