الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ محمد بن صالح حمدي

الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ

الجزء ١ · صفحة ١٧

الصناعية وفي سيطرة تعاليم المذهب الحر، فقد غيّرت الثورة عقلية العصر، وضخّمت في الأذهان فرصة الربح ورسّخت الفلسفةَ النفعية، ومهّد كل ذلك للنظرية الاقتصادية أن تقصر دراستها على الجانب النفعي للإنسان، لأنه الجانب الذي ميَّز فلسفة العصر، وبالإضافة إلى ذلك فإن الثورة الصناعية وما جرته من فلسفة أكدت في الإنسان العقلية المنفعية، وأكدت فيه أيضا العقلية الحسابية"(1).

هذا اعتراف بالغ الصراحة في تمحور النظرية الاقتصادية حول النظام الذي نشأت وترعرعت في ظله. ومن المعروف أن خصائص ومقومات النظام الرأسمالي، وكذلك فلسفته، ومرجعيته، تُغاير إلى حد كبير خصائص ومقومات ومرجعية ومذهبية النظام الاقتصادي الإسلامي. وبالتسليم بذلك لا يسعنا إلا التسليم بضرورة وجود علم الاقتصاد الذي يتولّى وصف وتفسير السلوك الاقتصادي للأفراد والجماعات والمؤسسات التي تعمل داخل إطار هذا النظام، حيث إن علم الاقتصاد العلماني لا يتمكن من القيام بذلك. وليس ذلك من مهامه، ولما كانت ثقافتنا مختلفة، كانت قوانينها مختلفة، وبالتالي فنحن في حاجة إلى معرفة علمية توصلنا إلى هذه القوانين. فإن علم الاقتصاد هو الذي يبحث في السلوك الاقتصادي للإنسان، ومن المعروف لدى علماء الاجتماع أن التصورات الدينية هي إحدى المحددات الرئيسة للسلوك الاقتصادي، ومعنى ذلك أن إحدى محددات سلوك المسلم الاقتصادي هي على الأقل: عقيدته وقيمته وثقافته، وما يحكمه من تشريعات إسلامية، وهي بغير جدال مخالفة تماما لما عليه الإنسان الغربي، فالمسلم يؤمن بالإله الخالق الحكيم الرازق، ويؤمن بالآخرة، وبالحساب والثواب والعقاب عن كل ما قدمه في حياته الدنيا من أعمال وأقوال، وكذلك يعتقد أنه مستخلف في الأرض من قِبَل الله تعالى لإعمارها، وأنه مسؤول عن ذلك.

كل ذلك ينتج لا محالة منطلقات ومسلّمات تقوم عليها العلوم المختلفة، كما ينتج أدوات تحليلية تستخدم في وصف، وتفسير هذا السلوك. كما يترتب عليه وجود العديد من القيم كمحددات لتفسير السلوك الاقتصادي لدى المسلم.

(1) :د، شوقى دنيا، المدخل الحديث لعلم الاقتصاد.

١٦ / ١٨٧