الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ
الجزء ١ · صفحة ١٨وربما قد يتشكك البعض في مدى تأثير القيم الدينية والثقافية في السلوك الاقتصادي، وهل نظام الحياة في الغرب يضع لذلك أدنى اعتبار في منظومة قيمه وثقافته؟
نسوق مثالا من واقع حياة الصحابة للتدليل على أثر العقيدة والإيمان باليوم الآخر في السلوك الاقتصادي للمسلم، فقد قدمت قافلة محملة بالسلع إلى المدينة من الشام تعدادها ألف بعير لسيدنا عثمان بن عفان وضي الله عنه، فأقبل عليه التجار للشراء، وكلما عرضوا له سعرا رفضه، وظلوا يرفعون في الأسعار وهو يرفض، وأخيرا قال لهم: هناك من عرض ثمنا تجاوز 100 % من ثمن الشراء، فأثار ذلك دهشتهم فأزالها بقوله: إن الذي عرض عليَّ ذلك هو الله تعالى، الذي قال إن الحسنة بعشر أمثالها، وقام بتوزيع السلع تبرعا على المحتاجين في المدينة. فكيف يفسر الاقتصاد العلماني هذا السلوك؟ أليس هو تأثير العقيدة والإيمان الراسخ في القلب بمضاعفة الأجر عند الإنفاق في سبيل الله، فسيدنا عثمان بن عفان يعتقد جازما أنه قام بصفقة رابحة رغم أنها في مظهرها المادي الدنيوي هي خسارة بالمفهوم المحاسبي. وهكذا ندرك الدور الإيجابي الفعّال للإسلام في تغيير مجرى الحياة الاقتصادية وقوانينها، تغيير الإنسان نفسه، وخلق شروط روحية فكرية جديدة له، وكذلك نعرف مدى الخطأ في إخضاع مجتمع يتمتع بهذه الخصائص والمقومات لنفس القوانين التي يخضع لها المجتمع الرأسمالي.
ومما يعزز الاتجاه إلى ضرورة قيام علم اقتصادي إسلامي، أن لدينا نصوصا إسلامية، قرآنية ونبوية، تُعَدُّ الأصل الثابت والراسخ تتعامل مع الجوانب الاقتصادية، وهي تمثل أعلى درجة من الصدق، ومن ثم فمن الأهمية بمكان الاستعانة بها والاحتكام إليها عند قيامها بوضع النظريات والقوانين الاقتصادية، للتأكد من صحة وسلامة الفروض التي تقوم عليها هذه النظريات، وفي ذلك تصويب كبير لعلم الاقتصاد، ووضعه في الاتجاه الصحيح.
ج -الاعتبارات الواقعية العملية: ومن منطلق عملي نفعي محض نطرح هذا التساؤل: هل الاقتصاد المعاصر القائم على النظام الرأسمالي حقق الهدف منه المتمثل في كفاءة التخصيص وعدالة التوزيع؟
لو نظرنا إلى واقع الاقتصاد المعاصر لمسنا إخفاقه الواضح في مجالي الإنتاج والتوزيع، ولسنا بحاجة بالتذكير بالعديد من المشكلات المعاصرة المستعصية في المجتمعات ذات النظام الرأسمالي