الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ
الجزء ١ · صفحة ٤٦الانسان هي مشكلة اصطنعها الإنسان واكتوى بنارها، مفندين بذلك نظرية مالتوس(1) التي تشيع أن العالم مقبل على مجاعة كبيرة إذا لم يتدارك سياسات تحد من تزايد عدد السكان. فبيَّن الكتاب أن الكرة الأرضية بها من الموارد مايكفي حاجات كل سكانها ويفيض، لكن المشكلة من قلة الاستخدام أو من سوء الاستخدام، مما يخلق الجوع للكثيرين والتخمة للقلَّة. وخلص إلى أن مفهوم الندرة يقوم على أساس الخرافات، وأن ما من بلد في العالم يُعد سلة غذاء متنوعة لو استخدمت الاستخدام الأمثل. هذا عن الموارد وما رميت به من خرافة الندرة، فماذا عن الحاجات، فهل صحيح أن حاجات الإنسان غير محدودة؟ وهل صحيح أن الإنسان مهما بذل من جهد ومهما كان وضعه لا يستطيع أن يُشبع حاجاته بحيث بحيث يعيش راضيا مطمئنا سعيدا؟
لقد ظهرت كتابات وبحوث تفيد أن حاجات الإنسان الأساسية والتي يحتاجها الإنسان فعلاَ َ يمكن تصنيفها، بل ويمكن حصرها، ولو جارينا الاقتصاديين في تقسيمهم للحاجة إلى حاجة اقتصادية وحاجة غير اقتصادية، وقصرنا بحثنا على الحاجات الاقتصادية، لوجدنا أن تلك الحاجات يمكن إرجاعها من حيث الأصل إلى عدة أنواع لا تتجاوز العشر وأهمها: الطعام، واللباس، والسكن، والعلاج، والنكاح، والانتقال والتعليم، ونحن نؤمن بأن تلك الحاجات يمكن أن تتمدد وتتفرع وتتوالد، ولكن ذلك لاينفي وجود حدود ومقادير من كل منها، تكفي الإنسان، وتجعله يعيش حياة مطمئنة.
غير أنه ينبغي أن ندرك مسألة على درجة كبيرة من الأهمية لم يدركها الاقتصاديون حق الإدراك. تلك هي تحديد مفهوم الحاجة والرغبة، وأنهما ليسا شيئا واحدا، بل الفرق شاسع بينهما من حيث المضمون، ومن حيث المدى والنطاق.
فالحاجة شيء يحتاجه الإنسان فعلا ويتوقف على وجوده حياة الإنسان حياة لائقة ويترتب على عدمه، إما عدم الحياة نفسها، وإما شدتها وضنكها. ومعنى ذلك أن حاجات الإنسان مضبوطة بطبيعة الإنسان وفطرته، أي أنه يمكن حصرها و تحديدها كما وكيفًا ومن ثَمَّ يمكن إشباعها.
(1) : صاحب نظرية السكان، من مؤسسي علم الاقتصاد في القرن الثامن عشر.