الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ محمد بن صالح حمدي

الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ

الجزء ١ · صفحة ٥٥

أولويات الإنتاج:

تتم عملية الإنتاج في ظل قاعدة المفاضلة والاختيار، والمفاضلة لا تخضع أساسا لفكرة الربح، وإنما هي محكومة بقاعدة ترتيب المصالح التي نظمتها الشريعة الإسلامية في ثلاث مستويات: ضرورية وحاجية وتحسينية، ومن وجهة النظر العمومية فإن اتباع تلك القاعدة يحقق أكبر منفعة ممكنة، إذ كلما كانت الحاجة ملحة وضرورية كانت منفعة المنتج الذي يشبعها أكبر وأعظم، فإنتاج السلع الضرورية للحياة الإنسانية من مأكل ومشرب ومسكن مقدم على إنتاج سلع حاجية ترفع الحرج وتحقق الرفاه الاجتماعي.

ولا شك أن تنفيذ ذلك يتطلب جهدا على مستوى الدولة والأفراد وشركات الإنتاج، فعلى الدولة أن تخطط للعملية الإنتاجية بما يكفل تنفيذ الأهم فالأهم من مصالح المسلمين، وعليها أن تطبق ذلك فيما تحت يدها من مشروعات إنتاجية، ومن جهة أخرى تستخدم وسائل التحفيز والترغيب والتزهيد لحمل المشروعات الخاصة لتنفيذ ذلك.

أخلاقيات الإنتاج:

إذا كانت مراعاة الحلال في الإنتاج -بالابتعاد عن كل محرم- مبدأً هامًّا في العملية الإنتاجية، فإن ملابسات وظروف الإنتاج والعلاقات الاجتماعية هي الأخرى أساسيةٌ، فالمنتج المسلم لا يقف عند مجرد توفر الإباحة، وإنما يوفر أيضا إباحة الوسائل والأساليب والخطوات، فلا خداع ولا غش، لا في محتوى المنتج، ولا في تداوله. قال صلى الله عليه وسلم: "من غشّنا فليس منا"(1)، هذه القاعدة الأخلاقية العامة التي تحكم العلاقات العامة من بيوع ومبادلات ومعاوضات، والتي تنبني على الصدق والنصح، وعدم الغش الذي هو إظهار المرء خلاف ما أضمره لغيره.

ومن المظاهر الأخلاقية الوفاء؛ بإعطاء كل ذي حق حقه، قال صلى الله عليه وسلم: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفَّ عرقه"(2). فلا ظلم لأجير في بخس حقه، كما لا ظلم لمنتج

(1) : صحيح ابن حبان - كتاب البر والإحسان، باب الصحبة والمجالسة - ذكر الزجر عن أن يمكر المرء أخاه المسلم، حديث: 568.

(2) - سنن ابن ماجه - كتاب الرُّهون، باب أجر الأجراء - حديث: 2440.

٥٤ / ١٨٧