الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ
الجزء ١ · صفحة ٧٢وعلى هذا الفكر المعيب والنظر المادي الضيق عالج الاقتصاد الوضعي مسألة الحاجة التي تعد من أهم المسائل الاقتصادية، لما يترتب عليها من آثار على مستوى العرض والطلب.
الحاجة في الاقتصاد الإسلامي:
بما أن الإنسان مركب من مجموعة عناصر روحيةٍ وفكريةٍ وجسمية، ممزوجة ومتداخلة، لا يوجد عنصر منها مستقل عن الآخر، لو فقد الإنسان منها عنصرا لما بقي إنسانا، وطالما أن فطرة الإنسان هي هكذا فإن حاجة الإنسان هي الأخرى ذات طبيعة مركبة حتى لو اتخذت مظهرا معينا، فحاجة الإنسان للطعام مثلا ليست حاجة لعنصر معين من عناصر الإنسان، وإنما هي حاجة كل الإنسان، لأن الجسم لا يشبع وحده بمعزل عن بقية العناصر، كما أن الطعام يؤثر في الروح والفكر كما يؤثر في الجسم، ومن ثم اشترط الإسلام في الطعام أن يكون طيبا ذاتا ومعنى، وأن يحقق التوازن بين عناصر الإنسان ما أمكن، فإن كان هناك ضرر ببعض عناصره فليراع الترجيح بين المنافع والمضار، فإذا كانت النتيجة النهائية نفعا، فهي حاجة حقيقية، وإلا فهي ليست حاجةً إنسانية، ولذلك حُرّمت الخمر، وحُرّم الزنا، وشُرع الجهاد.
ومن جهة أخرى، فالحاجة ليست مجرد تحقيق لذة أو دفع ألم ـ كما يذهب الفكر الوضعي ـ وإنما الحاجة لها وظيفة موضوعية هي المحافظة على القوى والعناصر الإنسانية المختلفة، والعمل على تنميتها وترقيتها، فحاجة الإنسان للأكل ليست لدفع ألم الجوع أو تحقيق لذة الشبع، وإنما للمحافظة على الجسم وبناء خلاياه، فقد أوجد الله –تعالى- ذلك الدافع كمؤشرٍ ودافع لإشباع الحاجة، لا على أنه هو الحاجة نفسها.
وكذلك، فإن الاقتصاد الإسلامي لا يقرّ إهمال الحاجة طالما لم تترجم في صورة طلب، فهو يصنف الحاجات ويرتبها ثم يهيئ ويعبئ الموارد لإنتاج ما يشبع تلك الحاجات غير مقيد بالحاجز المالي، فإذا لم يتوفر لدى الفرد مال فإن الدولة والجماعة مسؤولة من خلال جهاز التوزيع التوازني بمصادره المتعددة عن إمداده بالأموال اللازمة للحصول على ما يشبع حاجته، أو تقدمها له دون دفع ثمن.(1)
(1) :مالك بن نبيء، المسلم في عالم الاقتصاد، ص: 95.