الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ محمد بن صالح حمدي

الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ

الجزء ١ · صفحة ٧٣

ومنه أدرك الإمام الشاطبي هذه الحقيقة فقال: "وكم لذة وفائدة يعدُّها الإنسان كذلك وليست في أحكام الشرع إلا على الضد، كالزنا وشرب الخمر وسائر الفسق والمعاصي التي يتعلق بها غرض عاجل"(1)

وحيث إن الاقتصاد الإسلامي يرتكز على العقيدة الإسلامية، وينبثق من الشريعة الإسلامية، بمعنى أنه في قواعده وكلياته وفي اتجاهاته وسياساته وتحليلاته ونظرياته يرتكز على العقيدة والشريعة التي تعرف عليها من خلال المصادر الأساسية، القرآن، والسنة، والاجتهاد، فحيث إنه كذلك، فإن موقفه من قضية المنفعة والحاجة والرغبة قد برئ مما وقع فيه الاقتصاد الوضعي، فهو يؤمن على حد قول الشاطبي:"المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها، وليس للعبد علم بها إلا من بعض الوجوه، والذي يخفى منها أكثر من الذي يبدو له … فالرجوع إلى الذي وضعه الشارع رجوعٌ إلى وجه المصلحة على الكمال بخلاف الرجوع إلى ما خالفه".(2)

والترجمة الاقتصادية لمضمون الفقرة أن الاقتصاد الإسلامي يقدم للإنسان أكبر نفع حقيقي ممكن.

ولا غضاضة في سعي الفرد المسلم إلى تكثير ما يحصل عليه من منافع في سلوكه الاقتصادي وغيره مع الأخذ في الحسبان أن المسلم له حياتان، دنيا وآخرة، وأنه في كل سلوكاته يسعى لتحقيق أكبر نفع في الحياتين معا، وأن كل تصرف في دنياه يؤثر على نفعه في الآخرة إيجابا وسلبا.

نخلص من ذلك إلى القول: بأن الإسلام بنظمه وتنظيماته يقدم للفرد أقصى قدر ممكن من المنفعة الحقيقية التي هي عدم الضرر، فكل ما يلحق ضررا أو أذى بالإنسان، فإنه غير قائم، ولا يبقى إلا ما يحقق نفعا خالصا أو راجحا، وإذا أضفنا إلى ذلك كله ما قدمته الشريعة من ترتيب دقيق لمصالح الإنسان، مُقِيمة بذلك سُلّما للأولويات يحتوي على الدرجات الثلاث.

(1) : الشاطبي: الموافقات، ج:1، ص: 50.

(2) : نفسه: ص:349.

٧٢ / ١٨٧