الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ محمد بن صالح حمدي

الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ

الجزء ١ · صفحة ٧٦

ومن المعلوم أنه لتحقيق عملية الاستهلاك يتطلب قيام الإنسان مسبقا بعملية إعداد وتجهيز السلعة أو الخدمة، وبعبارة فنية، فإن الإنسان يقوم مثلا بعملية الإنتاج. ومن منظور الاقتصاد الوضعي أنه بقدر ما يتمكن النظام الاقتصادي من توفير أكبر وأجود نوعية من المستهلكات بأقل تضحية ممكنة بقدر ما يكون هذا النظام ناجحا، وفي ذلك تتنافس الاقتصاديات المعاصرة على اختلاف نظمها ومذاهبها. وقد شغل الاقتصاد الوضعي بهذا الهدف حتى إنه جعل الاستهلاك في حدّ ذاته الغايةَ النهائية لكل جهود الإنسان الاقتصادية وغير الاقتصادية، فهو ينتج ليستهلك، ويستهلك لمجرد لذة ومتعة الاستهلاك، أي أنه يستهلك ليستهلك إن صحّ التعبير، ومن جهة أخرى فليست هناك حدود عليا لما يستهلكه الفرد سوى حدود القدرة على الاستهلاك، ولديه ما يمكن أن يقال إن الاستهلاك دالة متزايدة في حجم سعادة الإنسان.

فالاقتصاد مسخر لآخر مدى لإشباع تلك الرغبات، المزيد من الاستهلاك، المزيد من الرفاهية الاقتصادية، وبعبارة أخرى فإن غير المسلم يعيش ليستهلك، وهذه الحقيقة أكدها علماء الغرب أنفسهم(1)، ومن قبل صاغها القرآن أبلغ صياغة حيث يقول: ﴿وَالذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَاكُلُونَ كَمَا تَاكُلُ الاَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾(2) والأكل والتمتع في حد ذاته ليس معيبا، وإنما المعيب في كونه غاية كما هو لدى الأنعام.

موقف الاقتصاد الإسلامي من الاستهلاك:

الإسلام ينظر إلى الاستهلاك بمفهومه السابق، أنه أمر فطري، ومن ثَمَّ، فهو ضروري له، وكل ما كان كذلك فلا يمنع الإسلام منه، بل يقف منه موقف الحثّ والترغيب غير مكتف بدافع الفطرة والغريزة، وذلك لأن بقاء الإنسان واستمرارية نوعه ليعمر الأرض ويكون خليفة فيها ويعبد الله لا يتأتى إلا بالاستهلاك.

(1) : راجع ما قاله الفيلسوف الإنجليزي "جود" في ذلك، ونقله: أ: أبو الحسن الندوي في كتابه: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص: 261.

(2) سورة محمد، آية: 12

٧٥ / ١٨٧