الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ محمد بن صالح حمدي

الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ

الجزء ١ · صفحة ٧٨

كما أن تنظيم الإسلام لساحة الإنتاج سوف يسهم بدوره في هذا الشأن؛ إذ أنه في ظل مجتمع ملتزم لن توجد منتجات لا تشبع حاجات حقيقية للأفراد، ومن ناحية ثانية، فليس الاستهلاك غاية المسلم، وإنما هو مجرد وسيلة له. فهو يستهلك ليعيش، وهو يعيش ليعمر الأرض ويعبد الله، ويسعى لنيل رضوانه: من أجل ذلك فقد وضع الإسلام حدودا عليا على استهلاك الفرد بما لا يدخله في مرحلة الإسراف، فإن كان التقصير في الاستهلاك مذموما فإن الإسراف فيه هو الآخر مذموم، يقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾(1)؛ فالزينة والأكل والشرب كلها أمور مطلوبة، بمعنى أن التقصير فيها مع القدرة مذموم، وأيضا، فإن الإسراف فيها ممنوع بنص الآية الكريمة: ﴿وَالذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يُقْتِرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَالِكَ قَوَامًا﴾(2) ومعنى ذلك أن المسلم ينشد الوسطية والاعتدال فهو وضعه القيم والمتوازن.

والخلاصة في نظرة الإسلام إلى الاستهلاك أن هناك ثلاث مناطق ممكنة للاستهلاك، لكن الاقتصاد الإسلامي يمنع الاستهلاك في منطقتين ويبيحه في واحدة. فهناك منطقة البخل والتقتير وهي تبدأ من سدّ الرمق إلى ما دون حد الكفاية، ولا يجوز للفرد أن يقف باستهلاكه عندها طالما كان قادرا، وهناك منطقة متطرفة أخرى هي منطقة الإسراف، وهي تبدأ بعد تمام مستوى الكفاية إلا ما لا نهاية، ولا يجوز للمسلم أن يعيش بداخلها. وهناك منطقة وسطى هي منطقة الكفاية تقع بين المنطقتين السابقتين، وهي المنطقة التي يباح للمسلم العيش بداخلها، وهي منطقة متسعة، للمسلم أن يقف في بدايتها، وله أن يسير فيها إلى نهايتها.

توازن المستهلك:

يتعامل علم الاقتصاد ـ كما هو معروف ـ مع الوحدات الاقتصادية باحثا سلوك كل وحدة من هذه الوحدات التي يقسّمها إلى وحدات استهلاكية ووحدات إنتاجية. ويعني بالوحدة الاستهلاكية الجزئية الفرد من حيث ممارسته لوظيفة الاستهلاك.

(1) : الأعراف: آية: 31.

(2) : الفرقان: آية: 67.

٧٧ / ١٨٧