الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ محمد بن صالح حمدي

الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ

الجزء ١ · صفحة ٧٩

والتساؤل الأساسي في هذا الشأن يتعلق بكيفية إنفاق الفرد الجزء المخصص من دخله على سلع وخدمات الاستهلاك، كيف يتصرف؟ وكيف يوزع دخله على مختلف السلع والخدمات التي يود استهلاكها؟ ومتى يستقر ويتوازن؟

من حيث المبدأ نجد أن المستهلك شأنه شأن بقية المستهلكين سوف يطلب بعض السلع والخدمات، وطبيعيّ أنه سوف يُجري مقارنة بين ما يشتريه، وما يدفعه ثمنا له. وطبيعي أيضا أنه في ظل الأوضاع العادية لن يقبل على شراء سلعة إلا إذا اطمأن إلى أن منفعتها أكبر من منفعة ثمنها أو على الأقل مساوية له.

هذا سلوك فطري لا يختلف فيه المسلم عن غير المسلم، طالما توفرت صفة العقل فيهما، فإذا لم يتسم السلوك بهذا، كان هناك عامل عارض وراء هذا السلوك.

ولقد عبر الفقه الإسلامي عن البيع بتعبير دقيق يترجم هذا السلوك من طرف البائع والمشتري على حد سواء، "فالبيع عقد ذو مكايسة" بمعنى يقوم على الرشد واستخدام العقل إلى آخر مدى من طرفيْه البائع والمشتري، وامتدادا لذلك فإن المشتري المستهلك سوف يظل يشتري أو يطلب وحدات من السلعة طالما بقي له اعتقاد بأن منفعتها أكبر من منفعة ثمنها.

انطلاقا من هذا الموقف المبدئي، بحث الاقتصاد الوضعي مسألة اصطلح على تسميتها "توازن المستهلك" وهي في فكرتها الأساسية لا تخرج عن مضمون ما سبق قوله، غاية الأمر أنها تحتوي على أدوات تحليلية استخدمها الاقتصاد الوضعي في مراحل متطورة للتعرف على توازن المستهلك، فهناك الأسلوب التقليدي الذي يستخدم فكرة المنافع الحدّية وهناك المعالجة الحديثة التي تستخدم معدل الإحلال الحدّي ومنحنيات السواء، وهناك معالجة الأحدث التي تعتمد على ما يُعرف بمنحنيات التفضيل الموضح، مما هو معروف في كتب التحليل الجزئي.

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، وقال العلماء إن من بذل منفعة كبيرة في سبيل جلب منفعة قليلة عُدّ مضيعا، واضح أن الترجمة الاقتصادية لتلك التوجيهات هي ضرورة الموازنة بين منافع السلع والخدمات الاستهلاكية بحيث يحصل المستهلك على أكبر إشباع ممكن منها.

٧٨ / ١٨٧