الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ
الجزء ١ · صفحة ٨١التداول أهميته وضوابطه:
تفيد مادة التداول انتقال المال من يد إلى يد. وانتقال المال قد يكون عن طريق المبادلة، أو بغير المبادلة، ومن ثَمَّ فتعبير المبادلة أعمّ من تعبير التداول، والمبادلة قد تكون في صورة تجارة وقد لا تكون، إذن فالتجارة أخص هذه التعبيرات، لأنها مبادلة ما بمال بهدف تحقيق الربح، أو هي شراء الرخيص وبيع الغالي.(1)
والربح لا يظهر إلا في عملية تجارية، أي شراء شيء بهدف بيعه، والتجارة نشاط اقتصادي أساسي، مثلها مثل النشاط الإنتاجي، إذ بدونها يستلزم على المنتج القيام بنقل السلعة وتخزينها وعرضها وتوزيعها في الأماكن المناسبة للاستهلاك. وقد يتعذر عليه ذلك فتتعثر عملية الإنتاج ذاتها، وبالتالي لا يتأتى الاستهلاك، وإذا كان الإنتاج المادي للسلعة هو ما جعلها صالحة، أو أكثر صلاحية للاستهلاك فإن نقل السلعة من مكان إلى مكان وكذلك تخزينها من زمان لزمان، هو الآخر يجعلها صالحة أوأكثر صلاحية للاستهلاك، وبهذا فإن التجارة في حقيقتها نشاط إنتاجي، وهذا ما اهتدى إليه الاقتصاد الوضعي بعد زمن طويل.
إذن فالتجارة -التداول- عنصر اقتصادي أساسي يتوقف عليه كل من الإنتاج والاستهلاك، ولأهمية التجارة فقد عُنيَ بها الإسلام أيّما عناية، وفي القائمين عليها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التاجر الصَّدُوق الأمين يُحشر يوم القيامة مع النبيئين والصديقين والشهداء"(2). وتأكيدا على دورها الاقتصادي يقول سيدنا على بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ موصيًا عامله على مصر -الأشتر النخعي-: "ثم استوصِ بالتُّجار وذوي الصناعات، وأوْصِ بهم خيرا، المقيم منهم والمضطرب بماله، والمترفق ببدنه، فإنهم مواد المنافع، وأسباب المرافق وجلابها من المباعد والمطارح، في برِّك وبحرك وجبلك وسهلك، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترؤون"(3).
(1) : ابن خلدون: المقدمة، ص: 394.
(2) : سنن الدارمي - ومن كتاب البيوع، باب: في التاجر الصدوق - حديث: 2496.
(3) : الشريف الرضي: نهج البلاغة، ج:3، ص:527.