الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ محمد بن صالح حمدي

الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ

الجزء ١ · صفحة ٨٢

في هذه الفقرة برزت التجارة قرينة الصناعة في العملية الإنتاجية، فكلتاهما مصدر للمنفعة ومادة لها.

ونظرا لأهمية التجارة فقد وضع لها الإسلام من الضوابط ما يحول دون انحرافها عن وظيفتها الطبيعية التي قامت عليها.

ومن بين الضوابط ضرورة أن يظل شعبة من شعب الإنتاج.(1) ولتفصيل ذلك نجد أن التجارة لها وجهان، الوجه الاقتصادي، والوجه القانوني، ويتمثل الوجه الاقتصادي فيما تتضمنه التجارة من جهد إنتاجي يتمثل في نقل البضاعة وتخزينها وعرضها وتوزيعها، وما يستدعيه كل ذلك من أعمال وجهود وأموال. ويتمثل الوجه القانوني في عملية نقل الملكية من شخص لشخص) البائع والمشتري (، أو هو الجانب الشكلي والصوري للتجارة.

والوضع الطبيعي أن يكون الوجه القانوني مدخلا للوجه الاقتصادي، أو مقدمة له، لا أن يكون منفصلا عنه أو غاية في حد ذاته، وإلا خرجت المبادلة عن مسارها الصحيح. وهناك نصوص نبوية منها استنبط الفقهاء أحكاما فقهية تفيد تحريم خروج المبادلة والتجارة عن وظيفتها الإنتاجية، واقتصارها على أن تكون مجرد وساطة مفتعلة طفيلية، وقد عالج الفقهاء هذه المسألة في مصنفاتهم الفقهية.(2) والاقتصاديون ينطلقون من هذه المقولات الفقهية ليؤكّدوا أن المبادلة والتجارة المعتدّ بها في الإسلام ما اشتملت على جهد إنتاجي أو بُعْد اقتصادي ولم تقف عند مجرد توفر الشكل والصورة، وقد يتمثل هذا الجهد في القبض كما قد يتمثل في نقلها من مكان إلى مكان، ومن هنا ذهب بعض العلماء إلى أنَّ مجرّد مبادلة المال بالمال دون جهد اقتصادي؛ يُعدّ من قبيل الربا(3).

ومن باب التنويه بالجهد الإنتاجي في عملية التجارة فقد نهى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أحد الصحابة عن بيع سلعة بثمن محدد، إلا أنه نصحه بالجلب والبيع بأي سعر

(1) : محمد باقر الصدر: اقتصادنا، ص: 605.

(2) :انظر على سبيل المثال: ابن حزم: المحلى ج:9، ص: 592

(3) : شوقي دنيا: دروس في الاقتصاد، ص: 148.

٨١ / ١٨٧