الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ محمد بن صالح حمدي

الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ

الجزء ١ · صفحة ٨٣

شاء؛ فقال: "وإلا فلا تبع في سوقنا، وإلا فَسِيروا في الأرض واجلبوا ثم بيعوا كيف شئتم"(1)، ونستشهد بهذه المقولة بأن عمر رضي الله عنه، لم يرض لهذا الصحابي بوضع السعر الذي يريده، خاصة أنه يتاجر محليا، ولا يتكلف عناء ولا جهدا، ولكن رضي له أن يبيع كيف شاء إذا سافر وجلب، وهذا تأكيد على العمل الإنتاجي في التجارة. ومن الشواهد على ذلك نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلقّي الرُّكبان(2)، ومعلوم أن هناك حِكَمًا وأبعادًا متعددة لهذا الهدي النبوي، إلا أن الشاهد في هذا الهدي النبوي هو أن التاجر في هذه العملية لم يمارس جهدا إنتاجيا يذكر، فما قيمة أن يخرج التجار إلى أبواب المدينة يتلقون القادمين بالسلع. فهي إذن وساطة مجردة من كل مغزى إنتاجي، مع ما تحدثه من آثار ضارة على كل من البائع الحقيقي "الجالب" والمستهلك "النهائي"؛ فهذا الوسيط لا يخفى ما يُلحقه بالبائع من عنت وظلم، حيث لا دراية له بالبلدة ولا بالأسعار السائدة، وهو كذلك يلحق الضرر بالمستهلك؛ فهو أعلم بمدى حاجته إلى السلعة وبأثمانها، ولديه القدرة على التحكم في عرضها؛ لأنه مقيم في البلدة، لذلك كله جاء الحظر الإسلامي على تلك المبادلة.

السوق وجهاز الأسعار:

طالما هناك مبادلة، فهناك السوق؛ إذ هو المجال الذي تتم فيه المبادلات والصفقات، وحيث تتم الصفقات، فهناك أسعار.

وللأسعار تأثير على كل من الاستهلاك، والإنتاج، والتوزيع، والاستثمار، ففي ضوء الأسعار السائدة يتحدد إلى حد بعيد نمط استهلاك المستهلك، وقرار المنتج والمستثمر، ونمط التوزيع القائم في المجتمع، كما أن الأسعار تتأثر بكل من الاستهلاك والإنتاج والتوزيع، وهكذا فإن تلك الظواهر الاقتصادية تتبادل التأثير والتأثر بين بعضها البعض.

(1) : رواس محمد قلعجي: موسوعة فقه عمر بن الخطاب، ص: 137.

(2) - عن ابن عمر: " أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه، حتى ينقلوه حيث يباع الطعام ". صحيح البخاري - كتاب البيوع،

باب ما ذُكِر في الأسواق - حديث: 2033.

٨٢ / ١٨٧