الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ محمد بن صالح حمدي

الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ

الجزء ١ · صفحة ٨٨

في الحقيقة، إن الاقتصاد الإسلامي لم يُرخِ العنان للسوق في تحديد السعر، لأن مبادئ إسلاميةً يجب توفرها في عملية المبادلة، وقد لا توفرها السوق في كل الحالات، إذن فلا يمكن التعويل عليها بصفة مفردة.

وأهم هذه المبادئ الحاكمة لعمليات التبادل مبدأ "التراضي" و"الحرية" وقد أكدت نصوص شرعية أهمية توفر التراضي المتبادل من طرفي العقد في أية معاملة(1) بدون إلحاق الضرر والظلم.

ومن الناحية العملية فقد افترض الإسلام في الإنسان سلوكه الاقتصادي الطيب والعادل الذي يحقق لصاحبه النفع مع عدم الإضرار بالآخرين، وافترض في نفس الوقت إمكانية انحراف هذا السلوك الاقتصادي، وبناء على هاتين الفرضيتين منح الإسلام للفرد الحق في ممارسة عملية المبادلة بحرية وسلطة واختيار، ومنح في الوقت نفسه الدولة سلطة المراقبة والتدخل لتصحيح المسار الاقتصادي.

وهذا عكس ما ذهب إليه المذهب الرأسمالي الذي افترض أنّ الإنسان –ضرورةً- حَسَنُ السيرة والسلوكِ اقتصاديًّا، وذلك طبقا لمبدأ الفردية ومبدأ توافق المصالح، والرشد الاقتصادي، وبناء على هذا الفرض الخيالي، فقد نادى بأن تتم المبادلة في نطاق السوق الحرة وأن تمارس هذه السوق مهمتها في تحديد الأسعار. وكانت النتيجة هي عدم وجود السوق الكاملة، وشيوع الاحتكار بصوره المختلفة. وحدوث الظلم والتظالم على نطاق واسع.

وعلى النقيض من ذلك نجد أن الاقتصاد الاشتراكي قد افترض في السلوك الاقتصادي الفردي الظلم المحض، فبنى نظامه على أساس حرمان الفرد من اتخاذ القرارات الاقتصادية وسلّم للدولة سلطة اتخاذ ما تراه لتسيير حركة الاقتصاد، وتحديد ما تراه من أسعار وكانت النتيجة حدوث مظالم ومضار أكبر بكثير من تلك التي افترضوها، مما حملهم على العودة التدريجية في الاتجاه العكسي.

إذن، من غير المقبول إسلاميا إهمال السوق كلية كجهاز سعري، ومن غير المقبول أيضا الاعتماد الكلي الوحيد عليها في كل الحالات؛ إذ أحيانا ما تنحرف وتعجز، وإذن فلا ضرر من

(1) : سورة النساء: آية: 29، سورة الشعراء: الآيات 181 - 182 - 183. سورة المطففين: 1 - 2 – 3.

٨٧ / ١٨٧