الاقتصاد الإسلامي: أسس ومبادئ
الجزء ١ · صفحة ٩٣دور الدولة في تحديد الأسعار:
تعرفنا في الفقرات السابقة على دور جهاز السوق في تحديد الأسعار في الاقتصاد الإسلامي، وتبين لنا أن السوق جهاز سعري لا غنى عنه في المجتمع الإسلامي؛ بحيث لا يجوز إلغاؤه في كل الحالات والظروف، وهو في نفس الوقت ليس الجهازَ الوحيد الذي يمتلكه الاقتصاد الإسلامي ويستخدمه، فقد تعتريه أوضاع تجعله عاجزا عن تحديد القيم النسبية الصحيحة للسلع والخدمات، وإذن، فلا بد من تواجد جهاز سعري آخر يكمل جهاز السوق، أو يحل محله في بعض الحالات، وذلك الجهاز السعري الثاني هو جهاز الدولة.
لقد أقام الإسلام جهاز الدولة لحماية النشاط الاقتصادي الفردي من الظلم والعدوان، أي أنه في الظروف العادية حيث تسود الحرية والتراضي وعدم الظلم فيسود جهاز السوق، أما إذا انحرف هذا الجهاز فسيتدخل جهاز الدولة لحماية تلك الحرية ومنع الظلم. ولقد قدم الإسلام للإنسان من القواعد والقيم والمبادئ ما يجعله رشيدا قويما في شتى سلوكه وتصرفاته الاقتصادية وغيرها. ومع ذلك فلن يُسلِّم بأن الأفراد جميعهم سيلتزمون التزاما دقيقا تلك القواعد، بل منهم من سوف يشذ، ومعنى ذلك أن الظلم والتظالم لهما وجود في حياة المجتمع. ومن ثم لم تكتف بالبناء الذاتي الذي قدّمَه للفرد، بل دعمه ببناء خارجي تمثله الدولة باعتبارها مسؤولة عن تحقيق مصالح الناس وحماية المصلحة العامة، ومنع الظلم.
إذن هناك مجال لتحديد الأسعار من قبل الدولة عن طريق أجهزتها، ويكون ذلك كحالة استثنائية عندما تعجز السوق عن القيام بتلك المهمة بالصورة التي تتفق وقيم الإسلام ومبادئه.
إن دور جهاز الدولة له بعدان، بعد يعمل بصفة دائمة ومستمرة، وهو يتعلق بالسلع والخدمات العامة، وبعبارة أخرى تسعير المنتجات التي قامت بإنتاجها مشروعاتٌ عامة يتولى الجهاز الإداري تحديد أسعارها، أما البعد الثاني فهو يتعلق بالمنتجات الخاصة والحاجة إليه تبرز عندما يعجز جهاز السوق عن تحقيق مبدأي التراضي والعدل، أو أحدهما. وعادة ما يحدث الاعتداء على مبدأ العدل. وإذا اعتُديَ عليه، فلا يُعوّل على بقاء مبدأ التراضي. وفي الحقيقة إذا زال مبدأ العدل، فاعلم أن مبدأ التراضي قد زال هو الآخر من حيث المضمون، ولم يبق منه إلا