الفقه المقارن وضوابطه: العوتبي نموذجا مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

الفقه المقارن وضوابطه العوتبي نموذجا لمصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ١٠

وانطلقت مسيرة البناء الفقهي بجهود متضافرة من قِبل أئمة مجتهدين نذروا حياتهم لهذا الدين، وتعلق بهم تلامذة مخلصون، خدموا تراثهم تدوينا وتعليما، ونشرا وتأصيلا، فترسخت تلك الفتاوى وتكاملت مناهجها وعرف المجتمع المسلم مدارس فقهية متنوعة، تنهل من معين الكتاب والسنة، وتتعدد وجهات نظرها بناء على اختلاف مسلك كل مجتهد وتلامذته في التعامل مع النصوص والأصول، تفسيرا وبيانا، وترجيحا وميزانا، وقياسا واستحسانا.

ثم جاءت جهود للموازنة بين تلك الآراء والمفاضلة، لغرض التعرف على أقربها للحق وأعدلها في ميزان الشرع، فنشأ مصطلح الفقه المقارن.(1)

الفقه سجل الواقع:

الفقه الإسلامي سجل الواقع وصورة للمجتمع، بما يحويه من متابعة تفصيلية لوقائع الحياة اليومية للفرد المسلم والمجتمع على حد سواء، وتقص لعلاقاته المختلفة لصبغها بأحكام الشرع الحنيف.

وكتب الفتاوى بالخصوص نموذج حيّ لهذه الصورة، بيد أننا نجد لها نظائر في كتب الفقه العامة، وقد رأينا في كتاب الضياء مثالا دقيقا لذلك، إذ لم يكن مجرد مصنف لأحكام الفقه النظرية، بل وجدنا فيه تسجيلا وافيا لقضايا تاريخية واجتماعية واقتصادية وسياسية عرفها المجتمع العماني حيث عاش المؤلف كل حياته، وفيه تسجيل لمراسلات بين العلماء حول ما يشكل عليهم من تلك القضايا والنوازل.

وأحسب أن تلك اللمحات الوافية تصلح مادة لدراسة تاريخية متأنية تكشف عن أهمية الفقهاء في تدوين التاريخ، وحفظ ذاكرة المجتمع ولو لم يكن ذلك هدفهم ولا منطلقهم في ما كتبوا، بل تلك طبيعة عملهم باعتبارهم روادا للمجتمع وهداة له حتى يتبوأ منزلته تحت مظلة أحكام الإسلام وشريعته السمحاء(2) .

(1) – يراجع حول نشأة الفقه المقارن، مقدمة ابن خلدون.

(2) – ينظر في الضياء على سبيل المثال، بعض أبواب الزكاة، منها "ما يؤخذ من أموال الحرب من المشركين إذا قدموا بها إلى بلاد المسلمين" ج6، ص191-193.

١٠ / ٥٦