الفقه المقارن وضوابطه العوتبي نموذجا لمصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ١٥أسهمت المدرسة الإباضية مثل نظيرتها من المدارس الفقهية الإسلامية بجهود طيبة في مضمار إثراء الفقه عن طريق عقد المقارنات بين آراء الفقهاء، سواء داخل المدرسة الواحدة، أم بين المذاهب المختلفة، وهو منهج جرى العمل به منذ عهد مبكر لتدوين المؤلفات الفقهية لدى هذه المدرسة.
وبيان ذلك أن إمام المذهب جابر بن زيد كان يعوّد تلاميذه على النظر المستقل، فلم تكن متابعتهم له تقليدا مقدسا، بل اتباعا للحجة والدليل، وكانوا لذلك لا يقفون عند آرائه، بل يخالفونه في عديد منها إذا وجدوا العدل فيما سواها. كما نشأ حوار علمي رصين بين تلاميذه وتلاميذ تلاميذه أيضا، وحفظت لنا المدونات الفقهية الأولى هذا الحوار في مواقف كثيرة.
وفي كتاب "المدونة" التي وضعها أبو غانم بشر بن غانم الخراساني في القرن الهجري الثاني، نماذج وفيرة وطيبة لحوارات علمية شيقة بين هؤلاء التلاميذ، ومدى التزامهم الحيدة والموضوعية في ترجيح الآراء بعد النقاش، ولو كانت آراء غير أئمة المذهب كجابر وأبي عبيدة والربيع وغيرهم.