الفقه المقارن وضوابطه العوتبي نموذجا لمصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٤فاختلاف الفقهاء لا يعني بتاتًا اختلافا جوهريا في أصول الشريعة وقواعدها، بل هو تنوع مسالك وقواعد تفسير لهذه الأصول، وهو ثمرة تفاوت بين المجتهدين في مدى اعتماد هذه الأصول، وبهذا سلمت القواعد والنظريات العامة من التناقض، بل وجدنا اختلاف الفروع نتيجة لوحدة الأصول ومصادر الاستنباط.
ورغم هذا التنوع المتكامل للثروة الفقهية فإنه بات ضروريا دراسة هذه الآراء ومعرفة راجحها من مرجوحها وقويمها من سقيمها، بمنهج علمي رصين؛ قائم على تحري الحق وتحكيم الأصول التي اعتمدها المسلمون ميزانا موثوقا للاستنباط والاجتهاد، والموازنة بين الأدلة والترجيح بينها عند التعارض.
هذا هو وظيفة الفقه المقارن مفهومًا، وتلك هي غايته ممارسةً، وهي رسالة سامية ومسؤولية ثقيلة، لأنها تهدف إلى غاية نبيلة هي التقريب بين الاجتهادات ورصد أقرب الآراء إلى مقصد الشارع الحكيم، وأوفقها بتحقيق مصالح المكلفين.
- نشأة الفقه المقارن:
كانت انطلاقة الفقه منذ عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باعتباره المفتي الأول، فقد بيّن للناس ما نُزّل إليه من آي القرآن، ووضع للصحابة منهج الاجتهاد، ودرّبهم على ذلك في وقائع عديدة، فكان يقرّهم عندما يصيبون، ويسددهم إذا لم يحالفهم الصواب.