الفقه المقارن وضوابطه العوتبي نموذجا لمصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٤٥وفي قضية الصيام عن الميت، ذكر الأقوال فيها، وهي آراء الأئمة مالك وأبي حنيفة والشافعي وداود الظاهري، وأدلتها وناقشها، وأورد سند أحاديثها، وتضعيف بعض رواياتها، وتأويل معانيها، ثم رجح في النهاية ما رآه منها صوابا(1) .
ولم يكن يألو جهدًا لتوجيه الأحاديث واستثمارها أصوليا لاستنباط الأحكام منها وجوبا أو ندبا أو حرمة أو كراهة أو إباحة. ومن شواهد هذا الاستثمار توجيهه لأحاديث النهي عن اتخاذ المساجد طريقا وعن نشدان الضالة فيها، وعن البيع فيها، فبعضها قال إنها تفيد الكراهة والتأديب، وبعضها يفيد التحريم، ويرخص لأصحاب الضرورات عند الحاجة(2) .
وإذا عجز عن نقد الحديث احتمل له وجوها من التأويل، كما فعل في حديث "لا توَطّن المساجد للصلاة والذكر لرجل إلا يبشبش الله به حين يخرج من منزله كما يُبشبش أهل البيت بغائبهم إذا قدم عليهم".
قال: «ومعنى ذلك المسرّة به، ويقال: قد تبشبش فلان بفلان إذا أسرّه وانبسط إليه. فإن كان الحديث صحيحا فتأويله على المجاز لا على الحقيقة، لأن السرور والبشاشة ليس من صفات الله عز وجل»(3) .
- القياس بين الإفراط والاقتصاد:
كان القياس أساسا اعتمده جمهور المجتهدين لاستنباط الأحكام، وضمان شمول الشريعة لتجدد الحياة وتدفق القضايا التي يعيشها الإنسان، ولم يفرط العوتبي في هذا الدليل، بل استند إليه في كثير من آرائه أسوة بسائر المجتهدين.
ولكنه كان يلتزم شرائط القياس حتى يثمر اجتهادا صحيحا، ويرفض ما خالف قواعده، أو لم يستوف شرائطه.
(1) – انظر: العوتبي، الضياء، 6/361-362.
(2) – انظر: العوتبي، الضياء، 5/25.
(3) – انظر: العوتبي، الضياء، 5/48.