الفقه المقارن وضوابطه: العوتبي نموذجا مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

الفقه المقارن وضوابطه العوتبي نموذجا لمصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٤٧

كما ناقش أبا حنيفة إجازته أن يعطي الدائن غريمه زكاته، ثم يطالبه بدينه، ولم يجز أن تعطي المرأة زوجها من زكاتها، ورأى العوتبي جواز ذلك لتساوي الصورتين، وطالب أبا حنيفة بدليله، وناقش القضية باستفاضة(1) .

- المقاصد والضرورة:

لم يغفل العوتبي في عملية الاجتهاد والموازنة بين الآراء الاحتكام إلى مقاصد الشريعة للتعرف على أهدى الآراء سبيلا، وأقربها لتحقيق مقاصد الشارع الحكيم، إذن إن الدين كله جاء لمصلحة المكلفين، كما استقر باستقراء تام لأحكام الشريعة الغراء(2) .

وقد ذكر حكم بناء المساجد وما يعتريها من أحوال، كأن يريد أحد بناء مسجد فيخرب بسببه مسجد آخر مجاور، فهل يباح له ذلك؟ قال: إن لم ينو الضرار فلا بأس. رغم وجود قول بوجوب تباعد المساجد بقدر قضاء حاجة الإنسان والتوضؤ بعد سماع الأذان ولحوقه الجماعة بعد ذلك. وأما ما دون هذه المسافة فيحق للسلطان منع بناء المساجد. وعقب قائلا: «وما أحب أن يبني أحد مسجدا بقرب مسجد إلا أن يكون لا يقدر أن يصل إلى ذلك المسجد، فله أن يبني»، وذكر أن المسلمين عرفوا تجاور المساجد فلم ينكروا على أهلها، وهو أمر مشهور في عمان في زمن العوتبي(3) .

وذكر أن من وطئ امرأته وهو يرى أنه غير امرأته بقصد الزنا، أو صلى في ثوب طاهر وهو يرى أنه نجس، أو شرب شرابا حلالا يظنه خمرا، أو قتل رجلا عمدًا عدونا، وهو ممن يحل قتله، وما أشبه هذه الصور أنه آثم بالقصد، ولكن لا ضمان عليه، وتلزمه التوبة والاستغفار، وإن مات كان في البراءة لقصده ارتكاب الكبيرة(4) .

واتساقا مع واقعية الفقه ومراعاته لظروف المكلفين كان اعتبار الضرورة حاضرا في منهج العوتبي، فنجده يرعاها ويبني عليها عددا من الأحكام.

(1) – انظر: العوتبي، الضياء، 6/101.

(2) – انظر: العوتبي، الضياء، 5/12.

(3) – انظر: العوتبي، الضياء، 5/32-33.

(4) – انظر: العوتبي، الضياء، امحمد اطفيش، شرح النيل، 16/528.

٤٧ / ٥٦