الفقه المقارن وضوابطه العوتبي نموذجا لمصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٤٩ومن تطبيقات ذلك واجب استقبال القبلة للمصلي حين يتعذر امتثاله، قال: «وإذا خفيت عليه الدلالة سقط عنه فرض التوجه، وكان عليه فرض التحري نحوها، فإذا صلى بعض الصلاة ثم انكشفت الدلالة على الكعبة توجه إليها، وبنى على ما مضى من صلاته، لأن فرض التوجه لزمه عند علمه بالجهة»، واستشهد بخبر تحويل القبلة الذي بلغ الصحابة وهم في الصلاة فاستداروا من بيت المقدس نحو الكعبة، وأقرّهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - على ذلك(1) .
وفي مقام آخر يقول: «وللإنسان أن يصلي إلى غير القبلة إذا خشي من التوجه إليها من تلف على نفسه من خوف أو مرض أو غيره، ويصلي كما أمكن له، وكذلك يجوز له أن يصلي راكبا وراجلا من طريق الإيماء قال الله عز وجل ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانا ﴾(2) ، وكذلك الخائف المطلوب دمه الهارب يصلي خمس تكبيرات، ويصلّي حيث كان وجهه، قال الله تعالى: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾(3) »(4) .
أثر اللغة على فقه الضياء:
مكّنت ثقافة العوتبي الأدبية ووفرة زاده من علوم اللغة فجعل من الأدب وعاءً للفقه(5) ، فجاء كتابه الضياء فريدًا في نسجه، تعلوه مسحة لغوية أدبية ظاهرة، تضفي عليه نضارة تنأى به عن روح الفقه الجافة، بحكم طبيعة الأحكام وما توحي به من صرامة والتزام، ونجد في الضياء عناية فائقة بالتعاريف انطلاقا من استعمالات اللفظة عند أهل اللسان، واستحضارا بارعا وغزيرا لشواهد اللغة وأهلها، ولا غرو فإن القرآن مصدر علوم اللغة، وقاموس اللغة ووعاؤها الخالد. منه نهل اللغويون والفقهاء على حد سواء.
(1) – انظر: العوتبي، الضياء، 5/12.
(2) – سورة البقرة، آية 239.
(3) – سورة البقرة، آية 115.
(4) – انظر: العوتبي، الضياء، 5/12
(5) – الخليلي، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص67.