الفقه المقارن وضوابطه العوتبي نموذجا لمصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٥٣وعلى نفس النسق رجح قول جمهور الفقهاء من أن الواجب على المصلي استقبال جهة الكعبة، ولا يعنّت عليه بالاتجاه إلى عينها إذا لم تكن أمام بصره، وكان من بين استدلالاته معنى الشطر في اللغة، وقد أمر الله بالتوجه إليه ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾(1) . لأن من معاني الشطر في اللغة الجهة(2) .
وقد كان العوتبي وفيًّا لنهجه الذي اختطه في صدر كتابه بالعناية باللغة حين قال: «وقد فسّرت جميع ما ذكرت في هذا الكتاب من لفظ غريب، ومعنى عصيب، ليكون مستغنيا بتفسيره عن الرجوع فيه إلى غيره، على أن الغرض المقصود به والغرض الموضوع له هو الفقه»(3) .
ووفى بما وعد فاتخذ اللغة خادما للفقه، ولم يطغ جانب على آخر، فقامت اللغة بدورها الوظيفي على أحسن الوجوه، ولم يكن الضياء نسخا للإبانة، لأن لكل من الكتابين دوره ورسالته.(4) .
ومن هنا ترتسم من قراءة الضياء صورة طيبة في ذهن القارئ عن أسلوب العوتبي في تناول المسائل الفقهية بقدرة الفقيه المتمكن واللغوي الضليع والأديب المرهف، يصوغ المسائل في أسلوب سلس واضح العبارة، ويورد الأقوال وينسبها لأهلها، ويحاورهم بأدب جمٍّ، ويوازن بين آرائهم بإنصاف واعتدال، ينتقل من الخطاب إلى التقرير، ومن الإخبار إلى الحوار، في انسيابية لا تشعر القارئ بالملل أو الضجر، وفي نفَس أدبي طليّ كأنه نسمات السحر.
الخاتمة:
(1) – سورة البقرة، آية144.
(2) – انظر: العوتبي، الضياء؛ 5/5-6. وانظر أيضا إسهابه في شرح كلمة الاستعاذة واستعمالاتها في اللغة: الضياء، 5/160.
(3) – انظر: العوتبي، الضياء؛1/17.
(4) – قام الدكتور محمد قرقش بإجراء مقارنات دقيقة لإثبات هذه الحقيقة، وهي أن كتاب الضياء فقهي خدمته اللغة، وليس كتاب لغة مثل كتاب "الإبانة". ينظر: محمد قرقش، المنهج التاريخي عند العوتبي، صفحات 137-143.