كتاب النيل وشفاء العليل عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٨٠٩

تَنْبِيهٌ: عَرَّفَ بَعْضُهُمْ الشَّهَادَةَ بِأَنَّهَا: قَوْلٌ بِحَيْثُ يُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ سَمَاعَ الْحُكْمِ بِمُقْتَضَاهُ إنْ عَدَلَ قَائِلُهُ، بِقَوْلِهِ: يُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ إلَخْ مُخْرِجٌ لِلرِّوَايَةِ، وَلَمْ يَقُلْ: عَلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ كَمَا مَرَّ أَعَمُّ مِنْهُ لِوُجُودِهِ فِي التَّحْكِيمِ، وَالْأَمِيرِ، وَقَوْلُهُ: إنْ عَدَلَ قَائِلُهُ، أَيْ أَنْ تُثْبَتَ عَدَالَتُهُ عِنْدَ الْقَاضِي، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: أَقَمْتُ ثَمَانَ سِنِينَ أَطْلُبُ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَأَسْأَلُ الْفُضَلَاءَ عَنْهُ، وَتَحْقِيقَ مَاهِيَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَيَقُولُونَ: الشَّهَادَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّعَدُّدُ وَالذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ، فَأَقُولُ لَهُمْ: اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فَرْعُ تَصَوُّرِهَا وَتَمَيُّزِهَا عَنْ الرِّوَايَةِ حَتَّى وَجَدْتُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ حَقَّقَهُ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ، فَقَالَ: هُمَا خَبَرَانِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ إنْ كَانَ عَامًّا لَا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ فَهُوَ الرِّوَايَةُ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ " وَ " الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ "، فَإِنَّ ذَلِكَ عَامٌّ فِي الْأَشْخَاصِ وَالْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْعَدْلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِهَذَا عِنْدَ ذَا دَيْنٌ، فَإِنَّهُ إلْزَامٌ لِمُعَيَّنٍ لَا يَتَعَدَّاهُ، فَهَذَا هُوَ الشَّهَادَةُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الرِّوَايَةُ، وَوَجْهُ اشْتِرَاطِ التَّعَدُّدِ فِي الشَّهَادَةِ وَبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ أَنَّ إلْزَامَ الْمُعَيَّنِ تُتَوَقَّعُ فِيهِ عَدَاوَةٌ بَاطِنَةٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا الْحَاكِمُ، فَاحْتَاطَ الشَّارِعُ لِذَلِكَ بِاشْتِرَاطِ آخَرَ مَعَهُ، وَنَاسَبَ شَرْطُ الذُّكُورِيَّةِ أَيْضًا لِأَنَّ إلْزَامَ الْمُعَيَّنِ حُكْمًا عَلَيْهِ وَقَهْرًا تَأْنَفُهُ النُّفُوسُ الْأَبِيَّةُ، فَهِيَ مِنْ النِّسَاءِ أَشَدُّ نِكَايَةً، فَحُقِّقَ ذَلِكَ بِاشْتِرَاطِ الذُّكُورِيَّةِ، لِأَنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ، وَبِمَعْنَى مَا ذُكِرَ قَوْلُ الشَّمَّاخِيِّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ تَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ، وَالرِّوَايَةُ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بَلْ عَامَّةٌ، وَإِنْ

٨٠٥ / ١٬١١٦