التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية، القرن الخامس الهجري) محمد الزحيلي

ندوة التأليف الموسوعي

الجزء ١ · صفحة ١٠٦

وقد أعلمهم بتفاوت مراتبهم في ذلك، بقوله: «نضر الله أمرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، ورُبَّ مبلِّغ إلى من هو أفقه منه»(1)، ثم ذكر أسماء لامعة في مجالات متعددة من الفقه فقال: «أعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضكم زيد، وأقضاكم علي»، وصوّب عمار بن ياسر حين تمعك في التراب بدلا عن التيمم للاغتسال، وأقر عمرو بن العاص على إمامته أصحابه في الصلاة وقد تيمم للجنابة، وقال للصحابيين اللذين صليا بتيمم، ثم وجدا الماء، فأعاد أحدهما الصلاة، ولم يُعِد الآخر، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة»، وقال للذي أعاد: «لك الأجر مرتين». وأمر الصحابة إثر انتهاء غزوة أحد بالتوجه إلى بني قريظة عاجلين، وقال لهم: «ألا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة»، ولكنه صوّب من صلى في الطريق في الوقت، ومن صلى في بني قريظة بعد مضي الوقت. إذ التزم فريق بحرفية النص، وسلك فريق سبيل التعليل، واعتماد مقاصد الشارع الحكيم.

وامتدت هذه الدورة التدريبية الرشيدة طيلة زمن الرسالة، فلم يجد الصحابة عنتا ولا حرجا بعد رحيل المصطفى إلى الرفيق الأعلى، بل وجدوا أنفسهم مؤهلين لهذه المهمة، فحسموا مسائل طارئة أفرزتها وفاة رسول الله، كتحديد مكان قبره، وتولية خليفة له، ومحاربة مانعي الزكاة، وغير ذلك من جديد النوازل.

ويمكننا القول إن الفقه المقارن نشأ مع نشأة المذاهب الفقهية، وأن أصله يعود إلى المناظرات التي قامت بين أئمة المذاهب، مما حفظت مدوناتهم، أو سجله تلاميذهم، مثل ما دونه الإمام مالك في الموطإ من رسالته لليث بن سعد، وما تضمنه كتاب "الأم" للشافعي في اختلافه مع أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، واختلاف أبي حنيفة مع الأوزاعي. وكذا اختلاف الشافعي مع مالك، وغير ذلك.

(1) – سنن الترمذي، كتاب العلم عن رسول الله، باب ما جاء في الحث على تبيلغ السماع، حديث رقم 2582، ترقيم العالمية.

١٠٦ / ٣٣٣