ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ١٠٧وتنامت الثروة الفقهية باتساع أرض الإسلام وتهاطل المسائل الجديدة على الفقهاء من الصحابة، فسعوا لإضفاء صبغة الشريعة على كل ما واجههم من مشاكل دينية واجتماعية وسياسية واقتصادية. وعلى سننهم سار تلاميذهم من التابعين، ثم من بعدهم من الأئمة والمجتهدين.
وثمة مدونات كثيرة رصدت هذه الحوارات العلمية بين الأئمة، وحفظتها، مثلما سجله النيسابوري في "الإشراف على مذاهب أهل الخلاف"، و"اختلاف الفقهاء" لأبي جعفر الطحاوي، و"تأسيس النظر" للدبوسي، وكذا تفسير الطبري، وتفسير القرطبي، إضافة إلى كتب شروح السنة التي تضم وفرة وفيرة من حوارات الفقهاء، ومناظراتهم، وذلك هو الفقه المقارن في صورته العملية الواقعية.
ولا ينكر منصف ما امتازت به القرون الأولى لمسيرة الفقه الإسلامي من سمة تحررية في التماس الحكم الشرعي، ثم انضوائها بعد ذلك تحت قيود الالتزام المذهبي الغالي في بعض الأحيان في القرون اللاحقة، وامتدت هذه المرحلة زمنا طويلا عرف بعصر الجمود والانغلاق، وشاع بين الناس الفتوى بحرمة الاجتهاد وإغلاق بابه دون المريدين، ولو بلغ أحدهم منازل الأئمة المجتهدين. ثم رسخ مفهوم الانغلاق على المذاهب المشهورة، وحرمة الخروج عنها، واعتبار ما سواها خارجا عن نهج الحق نائيا عن الهدى والصواب.
كل هذا كان تضييقا لواسع، وحجرا على العقول، ما نزل به كتاب، ولا ارتضاه الله للناس. حين دعاهم للاحتكام إلى كتابه وسنة رسوله عليه السلام، ولم يجعل الحق ولا الحجة إلا فيهما، وكل الناس محجوجون به، مفتقرون إليه، وكل عالم يؤخذ برأيه ويرد عليه إلا صاحب الرسالة المصطفى، ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ (1).
(1) – سورة النجم،آية 3.