ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ١٠٩فقد شاءت إرادة الخالق عز وجل أن يبلو الناس بهذا الاختلاف، لحكمة تجلت بعض أسرارها، وخفي على العقول كثير منها.
ولكن الاختلاف لا يستلزم بالضرورة الخطأ ومجانبة الصواب، فقد تحتمل القضية أنظارا، وكلها صواب باعتبارات شتى، ويمكن استثمارها في ظروف ومناسبات متعددة.
وقد أسهب الأصوليون في تحليل قضية الصواب والخطإ في الاجتهاد، وخلصوا إلى أن الأمر واسع في مجال الفروع، ولا يحجر على أحد اختلاف الاجتهادات فيها، بل ربما كان ذلك أوفق بمقصود الشارع من التخفيف على المكلفين واختيار ما يناسب ظروفهم وبيئتهم، وتنوع أعرافهم وتحقق مصالحهم(1).
وتعود أسباب اختلاف الفقهاء إلى عوامل موضوعية كذلك، أوفاها العلماء والدارسون بحثا، وتتلخص أساسا في العناصر الآتية:
الاختلاف في القراءات القرآنية.
الاختلاف في العلم بالسنة النبوية.
الاختلاف في إثبات السنة وقبول الأخبار.
الاختلاف في تفسير النص لاحتماله دلالات متعددة، وما يتعلق بذلك من قواعد أصولية لتفسير النصوص.
الاختلاف في الناسخ والمنسوخ.
الاختلاف بسبب القياس، أو تحديد العلة، وتوفر شرائط القياس.
الاختلاف بسبب المصادر الاجتهادية، كالاستحسان والعرف، والمصالح المرسلة.(2)
وقد بذل الفقهاء المجتهدون وسعهم لبيان الأحكام للناس، وإن اختلفت بينهم الآراء والاجتهادات.
(1) – وقد بحث الأصوليون هذه القضية في مبحث الصواب والخطإ في الاجتهاد ضمن مباحث الاجتهاد.
(2) – ينظر مؤلفات أصول الفقه، كما وضعت مؤلفات مستقلة في أسباب اختلاف الفقهاء، منها: اختلاف الفقهاء، للطبري، وغيره. وعلى سبيل المثال: د. فتحي الدريني، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، بيروت، ص 23-25؛ أ.د. محمد رأفت عثمان، وآخرون، بحوث في الفقه المقارن، ص 33-66.