ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ١١٠والقاسم المشترك بين هؤلاء الأعلام أنهم كانوا متصدرين مجتمعاتهم، قائمين بمهمة البلاغ، ومتفرغين لرسالة النذارة والبيان، استجابة لتكليف القرآن ﴿ فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ (1) ثم أوجب الله على المكلفين سؤال العارفين فقال: ﴿ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ (2) وخص الله هؤلاء بمعرفة الفقه والقدرة على الاستنباط ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم ﴾ (3)
وانطلقت مسيرة البناء الفقهي بجهود متضافرة من قِبل أئمة مجتهدين نذروا حياتهم لهذا الدين، وتعلق بهم تلامذة مخلصون، خدموا تراثهم تدوينا وتعليما، ونشرا وتأصيلا، فترسخت تلك الفتاوى وتكاملت مناهجها وعرف المجتمع المسلم مدارس فقهية متنوعة، تنهل من معين الكتاب والسنة، وتتعدد وجهات نظرها بناء على اختلاف مسلك كل مجتهد وتلامذته في التعامل مع النصوص والأصول، تفسيرا وبيانا، وترجيحا وميزانا، وقياسا واستحسانا.
ثم جاءت جهود للموازنة بين تلك الآراء والمفاضلة، لغرض التعرف على أقربها للحق وأعدلها في ميزان الشرع، فنشأ مصطلح الفقه المقارن.(4)
الفقه سجل الواقع:
الفقه الإسلامي سجل الواقع وصورة للمجتمع، بما يحويه من متابعة تفصيلية لوقائع الحياة اليومية للفرد المسلم والمجتمع على حد سواء، وتقصٍّ لعلاقاته المختلفة لصبغها بأحكام الشرع الحنيف.
(1) – سورة التوبة،آية122.
(2) – سورة النحل،آية43.
(3) – سورة النساء،آية83.
(4) – يراجع حول نشأة الفقه المقارن، مقدمة ابن خلدون، ص256.