ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ١٥٥إذا كانت هذه الندوة قد خصصت لـ(التطورات الفقهية في عمان خلال القرن الخامس الهجري) أو بمعنى آخر (التأليف الموسوعي والفقه المقارن) فإنها بطبيعة الحال تكشف بشكل أو بآخر عن أهمية وجمالية التنوع والتعدد والتجديد المستمر في فقه الشريعة.
فلحكمة إلهية تعددت الأفهام ولم تخلق على نمط واحد، ولحكمة إلهية وجدت الأدلة الشرعية التي تحتمل أكثر من وجه وأكثر من معنى، وكأنما وجدت لرياضة الأفهام والعقول، والدعوة الدائمة إلى البحث والاجتهاد وإبداء الرأي كميدان مثوبة وأجرِ من الله (أجران للمصيب وأجر للمخطئ) وكضرورة ملازمة للمتغيرات حتى تزدهر الحياة وتنمو في ظل قواعد الإسلام ووفق أصوله وضوابطه التي تمنع الانحراف وتعصم العقول من الشطط.
من هنا أثبت الإسلام في وضوح حرية البحث والاجتهاد كما أثبت أن لابابوية فيه، فالجميع قابل لأن يبدع وأن يجتهد، كلما امتلك أدوات الإبداع والاجتهاد، ولا أحد يملك في الإسلام أن يلغي الآخر أو يفرض فهمه على الآخرين، وبالتالي فإن عظمة الفقه الإسلامي تكمن في قابليته لهذا التعدد والتنوع والتجديد، وإمكاناته في استيعاب كل جديد، ولا غرابة في ذلك فمجمل هذه الخصائص لازمة من لوازمه، باعتباره أتى شاملاً لكل مناحي الحياة، ومعالجاً لجميع مستجداتها ومشاكلها.
ومنذ بزوغ شمس الهداية والمسلمون يجدون في تلافيف الفقه الإسلامي كل ما يحتاجون إليه، فلم يحدث أن وقعت الأمة في أزمة فقهية تجاه أي قضية أو حالة كل ذلك بفضل سعة النص الشرعي وشموليته.
إن عالمية الشريعة، وكمالية الدين، وخاتمية الرسالة، خصائص اختص بها هذا الدين الإسلامي، وبالتالي كان لزاماً على مجتهدي الأمة أن يفجّروا طاقات نصوصه الشرعية كلما جد جديد في حراك المجتمعات والحضارات، ليستخرجوا من دررها وجواهرها جميع الحلول لكل ما أظهرته الأيام أو أحدثته ظروف المعيشة والانتقال من مكان إلى مكان.