ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٤قال أبو إسحاق: «فقد دعاني إلى تصنيف هذا الكتاب خشية انطماس أصول الإباضيّة في الأمصار، وتقييدها في الأسطار، وخيفة الرّغبة عنها في معقل الدّعوة الأصليّة… لأنّي… شاهدت قوما ممّن ينتمي لديننا زاغت بهم الأهواء عن قصد السّلف الصّالح… فلمّا خشيت هؤلاء وأمثالهم أن يزيغوا بما استخفّوا به من الخلاف، ويستميلوا قلوب الضّعاف، صرفت عناني إلى تصنيفه لترسخ الأصول في أماكنها، ويتعلّق بها أهل دعوتها…
... وقد نظرت في بعض تصانيف أهل مذهبنا فإذا هو علم منشور، ولا تؤدّي المسألة إلاّ معنى واحدا غير شامل لأصول العلم مفتقرا إلى النّظر في جميع الكتب، فجعلت كتابي هذا مختصرا موجزا… »(1)
جاء الحديث في هذه المقّدمة واضحا مؤكّدا ما أشرنا إليه آنفا في حديثنا عن الإطار الزّماني والمكاني، فالإمام الحضرمي يشكو وضع أهل زمانه الذّين صار الكثير منهم غير قادر على أن يميّز بين مسائل الخلاف، ذلك أنّ أهل الدّعوة صاروا قلّة بين كثرة مخالفة في المذهب: شافعيّة، حنفية و(باطنيّة). بل الكثير منهم صار ميّالا إلى آراء المخالفين عن غير علم.
ويلتمس الحضرمي عذرا لهؤلاء تمثّل في عدم توفّر تصانيف في المتناول، إذ يقتضي التّعرف على مسألة "النّظر في جميع الكتب".
نتبيّن إذن من خلال هذه المقدّمة أنّ أهل الدّعوة في بلاد اليمن اجتمع عليهم أمران:
1 ـ انتشار آراء المخالفين الذّي استهوى الكثير من النّاس.
2 ـ عدم وفرة تصنيف ميسّر يكون مفزعا عند الحاجة، خاصة في مواطن الدّفاع عن الذّات وتأصيل الكيان.
ومعلوم أنّ كلّ أمّة يذهب ريحها إذا أتيت من هذين البابين.
لذلك عمل الحضرمي على تأليف هذا المختصر: «فجعلت كتابي هذا مختصرا موجزا، وفصّلته أبوابا وجعلت كلّ كتاب منه خصالا ليسهل على المتعلّم حفظه، ويقرب إليه فهمه، ويزيد العالم نباهة في قلبه، وتقوية في علمه…»(2)
(1) – ص 6.
(2) – ص 6.