التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية، القرن الخامس الهجري) محمد الزحيلي

ندوة التأليف الموسوعي

الجزء ١ · صفحة ٢٣٣

ولا شكّ في أنّه كان يلاحظ انبعاث حلقات العلم وحلقات العزّابة في أطراف جبل نفوسة، وما كان من مراسلات وفتاوى بين شيخه وأمير الجبل آنذاك، وهو أبو زكريّاء يحيى بن إبراهيم(1)، وما إلى ذلك من أحداث، أهمّها الإحساس بتحوّل ثقل الحركة السياسيّة والعلميّة من جبل نفوسة، الذّي عرف أوج ازدهاره الأوّل في القرون السّابقة، خاصة منها القرنين الثّاني والثّالث للهجرة 8 و9 مع الإمامة الرّستميّة، إلى بلاد قسطيليّة وجربة ثمّ أريغ(2)، خاصة بعد وقعة مانو 283 / 896 التّي خسر فيها الجبل أربعمائة عالم(3).

نعم وإن بقيت بقيّة من حركة علميّة في الجبل فإنّها ليست في مستوى إشعاعه الأصلي، وعامّة النّاس ليسوا في مستوى استيعاب ما أنتج في جربة وأريغ وتمولست من موسوعات ومؤلّفات.

كلّ هذا كان يدور في خلد أبي زكريّاء وهو يتعلّم ويعلّم على مسلك جميع المدارس العلميّة في محيطنا الإسلامي، فبماذا يمكن أن ينفع الأمّة يا ترى؟

إنّه مسلك آخر في التّأليف ينتفع به العامّة والمبتدئون، ولا يستغني عنه الخاصّة من أهل العلم، إنّه منّهج التبسيط والتّيسير، ولا ننسى هنا أن نذكر تنويه الشّماخي بقدرته العجيبة في الفتوى: «ومن غزارة علمه وعمق بحره أنّه يفتي للنّاس حين رجع عن أستاذه أبي الرّبيع سليمان بن أبي هارون ستّة أشهر ولم يتوقّف ولو في مسألة واحدة مع كثرة السّائلين في أيّ فنّ من الفنون سألوا».(4)

(1) – يحيى بن إبراهيم الباروني ( أبو زكريّاء ) ( ق 5 / 11 ): شيخ حاكم، تولّى الإمارة في جبل نفوسة، فانقادت له الرعيّة لعدله وحسن سيرته. عاصر أبا الرّبيع سليمان بن هارون الملوشائي، وكان يستفتيه في النّوازل وله معه مراسلات. وقد عايش الجنّاوني ذلك. أعلام عدد 989.

(2) – تقابل محيط مدينة تقرت حاليّا ( 2005 ) ببلاد الجزائر.

(3) – الشمّاخي: السّير: ص 268 ـ 269 ط البارونيّة.

(4) – ن. م: 2 / 180 طبعة عمان.

٢٣٣ / ٣٣٣