التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية، القرن الخامس الهجري) محمد الزحيلي

ندوة التأليف الموسوعي

الجزء ١ · صفحة ٢٣٧

يقول الجنّاوني: «أمّا بعد، فإنّه رغب إليّ راغب من إخواني، وأخ في الله من أخداني، وسألني تلخيص أبواب من أصول الدّين والمسائل الشرعيات، ليكون له المجموع من ذلك مفزعا يحور إليه عند الملمّات، فأسعفت مراده على قصور منّي في الدّرايات…».(1)

إن كان الحضرمي انطلق من إحساس ذاتي في تأليف مختصره، فإنّ الجنّاوني قد عبّر عن تناغم إحساسه الذّاتي مع طلب أحد إخوانه، بل أذهب فأقول إنّه طلب كلّ إخوانه الذّين كانوا يستفتونه بِنَهَمٍ شديد كما ذكرنا من قبل، إلى حاجة الأمّة إلى ملخّص مختصر يكفي عند الحاجة ويغني عن الموسوعات، وعبارة الجنّاوني دقيقة في هذا «ليكون له المجموع من ذلك مفزعا يحور إليه في الملمّات…».

وفعلا لقد كان وما يزال كتاب الوضع مفزعا يرجع إليه الإباضيّة في الملمّات.

وكلمة الملمّات جاءت متماشية مع ما ذكرناه من قبل عن الإطار الزّماني والمكاني لتأليف هذا الكتاب. فالكتاب حينئذ عبارة عن مجموعة من المذكّرات الدّقيقة في أصول الدّين وفي أركان الإسلام، ومعلوم أنّ المسلم إن سلمت عقيدته وشريعته يكون إن شاء الله من النّاجين بين يدي الله عزّ وجلّ.

وقبل أن نصل إلى الاستنتجات المتعلّقة بهذا العنصر يحسن أن نذكر أنّ هذا الكتاب ـ كتاب الوضع ـ قد أشار البرّادي إلى أنّه سمّي أيضا باللّمع، كما أنّه جاءت إشارات إلى نسبته إلى غير الجنّاوني(2) إلاّ أنّنا نضمّ صوتنا في هذا إلى ما وصل إليه أبو إسحاق اطفيش محقّق الكتاب إلى أنّه جنّاوني التّأليف بدون منازع (3).

كما أنّ الكتاب قد حشّى عليه محمّد أبو ستّة الجربي المشهور بالمحشّي (1088 / 1677)(4)

(1) – ص 17.

(2) – البرّادي: رسالة في تواليف أصحابنا. تحقيق عمّار الطّالبي ملحق بكتاب الموجز: 2 / 288

(3) – الجنّاوني: الوضع: التقديم ص: 4

(4) – والمحشّي هو أبو عبد الله محمّد بن عمر ابن أبي ستّة القصبي السّدويكشي ( 1022 ـ 1088 / 1614 ـ 1679 ).

نشأته بمصر: ولد بجربة سنة 1022 / 1614 ثمّ سافر إلى مصر بعد أن حفظ القرآن الكريم ليتعلّم بجامع الأزهر بالقاهرة وبالمدرسة الإباضيّة هناك، وذلك سنة 1040 / 1631.

و بقي هناك ثماني وعشرين سنة تلميذا ناشطا في أوّل الأمر ثمّ تولّى التّدريس بالمدرسة الإباضيّة بحيّ طولون وبالأزهر حيث يشار إليه بالبدر.

نشاطه بجربة: لقد رجع إليها سنة 1068 / 1658 وأدرك شيخه عبد الله السّدويكشي في آخر عمره.

و ما أن توفّي شيخه سنة 1068 / 1658 حتّى أسندت إليه رئاسة الحلقة ومهامّ التّدريس فاضطلع بمهمّته أحسن اضطلاع.

كلّ مؤلّفاته حواش على المصادر الإباضيّة ولذلك اشتهر بالمُحَشّي، ويبلغ عددها العشرين تقريبا وقد جمع هذه الحواشي تلميذه عليّ ابن بْيَانْ (11/17).

و توفّي بجربة سنة 1088 / 1679 وعمره 65 سنة وقبره معروف بالمحشّي بوَرْسيِغَنْ من حومة سدويكش.

٢٣٧ / ٣٣٣