التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية، القرن الخامس الهجري) محمد الزحيلي

ندوة التأليف الموسوعي

الجزء ١ · صفحة ٢٧٧

ويمكن القول إنّ سمة الإحصاء والتصاقها بحيثيّات المسائل الفقهيّة المطروحة تجعلنا لا نستبعد النّزعة التّقنينيّة عند الفقيهين، فيصبح عدد التّفريعات أقرب ما يكون إلى بنود القانون الواحد بالنّسبة إلى رجال القانون، وليس الفقهاء إلاّ مقنّنين لمسائل عمليّة في باب العبادات والمعاملات والأحوال الشّخصيّة، ألم يكن هؤلاء الفقهاء هم القضاة الّذين يفصلون النّوازل، ويتّخذون الحلول الشّرعيّة مع أهل الإفتاء والاجتهاد لجميع المستجدّات في المحيط الإسلاميّ، وقد ذكرنا في مقدّمتنا أنّ الفقه كان وما يزال الجبهة الرّئيسيّة في استيعاب كلّ عطاء حضاري جديد متطوّر.

فالإحصاء عند الرّجلين سمة قارّة وهو ضرب من التّقنين يساعد على حفظ المسائل المعدودة والعمل بها.

3 ـ سمة الاختصار:

والملاحظ أنّه قد انبثقت عن النّزعة التّعليميّة وسمة الإحصاء سمة قارّة في الكتابين هي سمة الاختصار، وقد بيّنا أنّها سمة اختارها الفقيهان عن وعي كامل وعبّرا عن ذلك بصراحة في مقدّمتيهما، وقد بيّنا أنّ مثل هذا التّعبير الصّريح هو الّذي دفعنا إلى اختيار موضوع المقارنة بين الكتابين لنثبت أنّ القرن الخامس / 11 وإن كان عصر الموسوعات، فإنّه لم يخل من المسلك المخالف وهو مسلك الاختصار.

4 ـ الرّغبة في تبني المنهج المقارن:

لقد انبثقت هذه السّمة لدى الفقيهين عن واقعهما الموضوعي المتمثّل في زحف فقه آخر على المنظومة العقديّة والفقهيّة الإباضيّة، وذلك بغلبة الفكر الشّافعيّ خاصّة في اليمن، وبتطوّر الفقه المالكي نحو السّيادة في بلاد المغرب. إنّها نزعة تهدف إلى تأصيل الكيان، وتمكين الإباضيّ من الدّفاع عن هذا الكيان.

وفعلا تعدّدت مختلف الأقوال في الكتابين رغم اختصارهما، وقد غلب إسناد الأقوال إلى أصحابها على باب العقيدة، وغلب عدم الإسناد على الشّرعيّات.

٢٧٧ / ٣٣٣