التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية، القرن الخامس الهجري) محمد الزحيلي

ندوة التأليف الموسوعي

الجزء ١ · صفحة ٣٠٥

لقد أذن الله تعالى لنبيه بالاجتهاد فقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ﴾ [سورة النساء:105].

قال بعض أئمة التفسير المراد من الآية الإذن في الحكم بالاجتهاد والرأي.

وقد اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم في وقائع كثيرة مثل: فداء الأسرى، والإذن للمتخلفين عن الجهاد.

وأذن لأصحابه في الاجتهاد، وأقرهم عليه، كما في قصة معاذ رضي الله عنه- حينما بعثه إلى اليمن.

وأشار في أحاديث إلى العمل بالاجتهاد: فقال لمن سأله عن الإفطار بقبلة الصائم، ومن سأله عن الحج عن الميت فقال مشيرا إلى القياس: «أرأيت لو تمضمضت»؟

و«أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان ينفعها»؟ أو ما في معنى ذلك.

وأذن لأصحابه في الاجتهاد فاجتهدوا في حضرته، وفي حال غيابهم عنه، وكذلك بعد وفاته، في وقائع كثيرة.

وجاء التابعون فاجتهدوا في مسائل كثيرة، وانتشر عملهم بالاجتهاد، وذاع، واستمر الأمر على هذا إلى رأس المائة الرابعة من الهجرة، فأغلق باب الاجتهاد، وأنكر على من يدعيه إما لتقاصر الهمم عن تناول أسبابه، أو خشية أن يلج بابه من ليس من أهله، أو لغير ذلك كما ذكر في تاريخ التشريع.

واستمر الباب مغلقا إلى وقتنا هذا، ورغم ذلك فقد ادعى بعض من الفضلاء الاجتهاد ولكن لم يسلّم لهم ذلك.

ما الاجتهاد الذي أغلق بابه وعسر الحصول عليه؟

قسم الأصوليون الاجتهاد إلى قسمين: مطلق، ومقيد

فالمطلق هو بذل الفقيه الوسع في تحصيل ظن بحكم شرعي. (مختصر ابن الحاجب وحواشيه).

فأفاد هذا التعريف أنه لابد للمجتهد من بذل جميع ما لديه من قوى فكرية بحيث يشعر من نفسه العجز عن المزيد.

والمراد من الفقيه من استوفى شروط الاجتهاد وتهيأ للقيام به، لا من حصل له الفقه، حتى لا يلزم الدور.

ولابد أن يكون المجتهَد فيه حكما ظنيا، فتخرج الأحكام القطعيات فلا اجتهاد فيها، كالأحكام المعلومة ضرورة من صيام وصلاة.

٣٠٥ / ٣٣٣