ندوة التأليف الموسوعي
الجزء ١ · صفحة ٣٠٩الأول: أنه يجوز له أن يفتي على مذهب إمامه مستخرجا للأحكام من نصوص إمامه وقواعده، فقواعد إمامه هي محل نظره واجتهاده، فينظر فيها ويفتي في الوقائع التي لم ينص عليها إمامه، مستندا إلى تلك القواعد، بحيث يجعل قواعد إمامه كنصوص الشارع عند المجتهد المطلق.
واختار هذا القول غالب الأصوليين.
واستدلوا له بالإجماع: فإن أتباع الأئمة ممن هم في هذه المرتبة كانوا يفتون الناس تخريجا على مذاهب أئمتهم، مع حضور أهل الاجتهاد من غير أئمتهم، ولا ينكرون عليهم فتواهم، مع إنكارهم -أي الائمة – على من لم يبلغ رتبة هؤلاء، ومُثِّل لهؤلاء بأصحاب أبي حنيفة، فإنهم كانوا يفتون على مذهب إمامهم تخريجا على مذهبه بحضور الشافعي وابن حنبل وغيرهم، فلم ينكروا عليهم فصار ذلك إجماعا.
القول الثاني: إنه لا يجوز لمثل هذا أن يفتي، وهو قول أبي الحسين البصري من المعتزلة، وقال به بعض الحنابلة والشافعية.
وحجتهم في هذا قياس صاحب هذه المرتبة على العامي، بجامع عدم بلوغ رتبة الاجتهاد المطلق، والعامي لا تجوز له الفتوى فكذا هذا.
وردّ قولهم هذا بأن مجتهد المذهب دل على جواز فتواه الإجماع الذي تقدم.
وبأنه قياس مع الفارق فان مجتهد المذهب مطلع على أدلة إمامه عالم بقواعده، قادر على التخريج والتفريع عليها، وكل ذلك منتف في حق العامي.
أما صاحب المرتبة الثانية وهو الفقيه في المذهب القادر على تقرير مسائله، لكنه لم يكن له مقدرة على التخريج كالأول لعدم تدربه وممارسته لذلك – فقد منع الجمهور من الأصوليين فتواه.
وأجازه واختار القول بفتواه بعض الحنفية، ونسب لكثير من العلماء، واستدلوا لذلك بأنه ناقل للفتوى فهو كناقل للحديث، فكما يجوز نقل الحديث لمن هو في هذه الرتبة فكذلك تصح فتواه، لاشتراكها في صحة النقل.
ورد هذا بأنه خروج من محل النزاع، فإن النقل المحض للمذهب لا خلاف في جواز اتباعه، وإنما الخلاف في الفتوى بالاجتهاد بالتخريج والتفريع.