بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري القواعد الشرعية أنموذجا أكتوبر 2005
الجزء ١ · صفحة ١٩٢لهذه المعاني كلها وجب أن يكون مقياس اعتبار المصلحة والمفسدة، ومعيار النفع والضرر تقديم الشرع الحكيم – وهو الله سبحانه وتعالى – لما في ذلك من ثبات وخلود وضمان أكيد لمصلحة الفرد والجماعة، وتهيئة الإنسان في الحياة الأخرى.(1)
أما إن ارتبط تقدير النفع والضرر بإرادة بشرية؛ فإن الأنظمة تكون غالبا عرضة للعبث والتلاعب والإخلال بالمصلحة العامة، لأن ما يتخيله الناس نفعا أو ضررا يتأثر بالأهواء والأغراض الخاصة أو محصورا في دائرة ضيقة، أو منظورا إليه من زاوية معينة، أو قاصرا غير شامل " ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن)(2)
ولهذا كان لزاما على المسلم أن يتجنب ما حرمه الشارع أو نهي عنه، قبل أن يفعل ما أمر به، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وذلك لتجنب الناس الوقوع في الضرر والمفاسد القبيحة؛ التي تؤذيهم في أموالهم وأنفسهم و أعراضهم وعقولهم.
ومعلوم أن الإسلام لم يحرم شيئا على الناس إلا أحل خيرا منه مما يسد مسده ويغني عنه، مما يدل على سماحة هذا الدين وإرادته للخير والهداية للعالمين، قال العز بن عبد السلام "الضابط فيما يخفى من المصالح والمفاسد من غير تعبد" انه مهما ظهرت المصالح الخلية عن المفاسد يسعى في تحصيلها، مهما ظهرت المفاسد الخلية عن المصالح يسعى في درءها، وإن التبس الحال احتطنا للمصالح بتقدير وجودها وفعلناها، وللمفاسد بتقدير وجودها وتركناها"(3)
4 أدلة هذه القاعدة
وردت في القران الكريم والسنة النبوية آيات وأحاديث تؤكد مضمون هذه القاعدة:
( أ ) من القرآن الكريم:
قال الله تعالى:( يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما....) الآية(4)
(1) – الموافقات للشاطبي 2 / 37.
(2) – المؤمنون، آية 71 – وانظر: الضرورة الشرعية للزحيلي ص 16،17.
(3) – قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 1/83، 84.
(4) – البقرة، آية 219.