بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري القواعد الشرعية أنموذجا أكتوبر 2005
الجزء ١ · صفحة ٢٣٣ومما يؤسف له أن آثار العلامة أبي محمد ابن بركة قد ضاعت، ولم يبق منها إلا النزر القليل، وربما يرجع سبب ذلك إلى أن العلماء الذين جاؤوا من بعده مالوا بقوة إلى أبي سعيد الكدمي المعاصر له، وراقت لهم آراؤه، خاصة مسائل الولاية والبراءة فيما يخص الأحداث الواقعة بين موسى بن موسى وراشد بن النظر، زمان الإمام الصلت بن مالك، في القرن الثاني الهجري. وكان العلامة أبو محمد بن بركة يقف موقفا مغايرا للعلامة أبي سعيد الكدمي، حتى أن الموقفين تأسست عليهما فرقتان وصارتا مدرستين تعرف لكلا العالمين.
يقول الشيخ السالمي: «ثم ظهرت أناس بعد مضيّ ما شاء الله من الزمان وبعد انقراض تلك العصور فغلوا في أمر موسى وراشد، وأوجبوا البراءة منهما على الناس، وقالوا: لا يسع جهل الحكم بحدثهما، لأنهما خرجا على الإمام العادل وهو إمام بالإجماع، والخارج على الإمام بإجماع باغ بالإجماع، والبراءة من الباغي بالإجماع واجبة بالإجماع. ورأس هذه الفرقة وعميدها الذي اشتهر بها أبو محمد عبد الله بن بركة ومن أخذ عنه من أهل عمان، منهم أبو الحسن علي بن محمد البسياني، وتبعهم على ذلك خلق وسميت فرقتهم بالرستاقية، ونقض عليهم أهل الحق مقالتهم وردوا عليهم غلوهم، وممن اشتهر في الرد عليهم أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي، وأبو سعيد الكدمي، وفي الرد عليهم ألّف كتاب الاستقامة بأسره، وتبعهم على ذلك ذلك أناس، وقفوا إلى الهدى، و سميت فرقتهم بالنزوانية»(1) .
هذه عبارة الشيخ السالمي، ويتبين منها الانصراف عن أبي محمد بسبب مواقفه من تلك الفتنة، ومع ذلك فأقواله الفقهية بقيت محفوظة تتناقلها الكتب، وتتزين بها المناقشات، وينقلها الخلف عن السلف.
(1) – السالمي، تحفة الأعيان، 1-145.